في جلسة قمرية دافئة على حافة "القريقية" بأصيلة ، سألني صديق بنبرة تحمل بين ثناياها أسى و حسرة فقدان فقال:
+ أستاذ ، هل الحب يمتن الأواصر؟
+ما الفرق بين غيرة المحب و غيرة العاشق؟
تعجبت لاستفساره ، لأن سنه لا يسمح له بطرح هكذا أسئلة ، و لولا أني أعرف رصانته ، لاتهمته بالمراهقة المتأخرة.
أجبته حذرا فقلت:
- ما زلت مشاكسا غريبا في أسئلتك ، لعل رومانسية المكان أيقظت فيك بقية من الماضي أو ضوء القمر عبث بأعصابك فبدت عليك بوادر الخبل.
ابتسم في مكر و إصرار ، و استطرد قائلا:
+ألا تجيبني ، و حسبك؟ .
قلت له :
- من قال لك أني خبير في الحب و ماجاوره؟
قال:
+أعلم أنك تستطيع إجابتي .
فوجدت نفسي مجبرا على الخوض معه في هذا الهديان.
فقلت:
- أية أواصر تتحدث عنها ، أواصر العقل أم أواصر القلب ؟
فرد علي محدقا :
+الأواصر في شموليتها و الغيرة بحقيقتها ، فلا تتهرب و تشعب الأمور.
استقمت في جلستي كأنني الفقيه النحرير الجهبيد العارف بالميدان ، و استدار هو نحوي كأنه التلميذ الشغوف لسماع ما سيجود به أستاذه.
فشرعت في عرضي بلهجة المتمكن العارف.
- اسمع ، يا من تقلصت شواته ، و تقوست قناته ، و أصبحت كدنته تتمدد .
فعن سؤالك ، هل الحب يمتن الأواصر؟
يجب أن تعلم يأن الحب لا يعرف العناوين و العوائد و لا المراتب ، هو ارتعاشة قلب ، و الارتعاشة هاته ، هي التي تسوي بين البشر كلهم.
- و لذلك اعلم رحمك الله ، و فتح بصيرتك أن الحب العاقل يمتن ، و الحب الجامح يقوض .
فلا تجنح إلى الحب الجامح لأن سلطة الحب العاقل لا تركن إلى المغامرة العابرة بل إلى ماهو محسوب .
أما ما يتعلق بالغيرة ، فالمحب يغار ، أما العاشق فيُغَلِّبُ انبهاره على غيرته لأن محبته هي الأصل و كلامه الجميل عن معشوقه يبقى مجرد كلام جميل و ليس له اسم أو معنى آخر.
فابتسم في وجهي في خبث ، فانبرى قائلا :
+عندما نتحدث عن الحب و الغيرة بهذه الطريقة فإننا نتجاهل الفرق بين المحبين و العشاق و الصيارفة .
و من رده أدركت أني لم أستطع إقناعه.
فاستجمعنا أنفسنا وخرجنا قاصدين مهاجعنا دون نبس ببنت شفه ، و في نفسي ريبة أنه يستقصدني لأني أعلم فيه خصلة تقليب المواجع.


