كلما أغلقتُ نافذةَ النسيان،
تسرّبَ إليَّ الماضي من شقوق الصمت،
وجاء الهمسُ حافيًا، يوقظُ في دمي
أشياءَ لم تنم بعد ولم تنس ماض يتوقد.
وأنا أكتب ما امتدَّ من كينونتي،
أمشي في دمي، كمن يعبرُ نهرًا
تتكسّر عند موج مائه مرايا السنين
ليشتعل الأنين بقايا وجع يترصد.
تمرُّ بي أساطيلُ الذكريات،
راياتُها من غبار انكساراتي،
ومراكبُها مثقلةٌ بالحنين
وبأصواتٍ نسيتُ أصحابها
ولم تنسَ وجهي إلى الأبد.
لا شيء أستثنيه... ها هنا جرحٌ
علّق معطفه على مسمار الروح
ومضى يجمع من شتات العمر ما مضى
وما تركته أعوام من التيه في هذا البلد.
وهناك جرحٌ ما زال يفتح نوافذه
كلما مرَّ المساء على جمر مفعم
بصدى الأيام العابرة، اتقدت من أصدائه
تفاصيل عمر يتبدد.
ها هنا فرحٌ يُشعل في العتمة
مصباحًا من ياسمين الفرح
وهناك فرحٌ، أضاع ظله
في زحام الأيام العاتية خلف ظلال تتمدد.
وفي الذكرى، تتجدد خرائط ذاتي،
تخرج من بين الركام
أشجارٌ كنتُ أظنها ماتت،
فتعود إلى وجهة ظني
ملامحُ رجلٍ تركته السنواتُ خلفها
بكل ما أوتي من عمر، يتكبد.
رأيتُ ما رأيتُ... وقلت
حين رأيتُ العمر يخلعُ أيامه:
على عتبة الغياب، أنا الفرد؛
أخلع نعلي حين يتعبني الطريق
فأرى الوقت، تنفضُ من كفّه
عقارب ساعات متعبة بحنين ذكرى تتعدد.
ورأيتُ تفاصيل الزمن المر،
تتباعد عني كطيورٍ مذعورة،
حين أمدُّ يدي لا أمسكُ
إلا ظلي الممدود
على جنبات صمت يتوحد.
كان العمر يمرُّ بي
ولا يلتفت لتجاعيد خطاه
إذ يرسمها زمني
مآثر من تعب الخطو الممجد.
وكانت ذاكرتي، تجمعُ خطاها
من شتات تراب، ومن وجع الطريق
لتعيدُها إليَّ مرسومة
على جناح قصيد به المعاني تتجدد.
وكنت إذا قلتُ: هذا أنا، أيها البعد
حروف تتلى على وقع المفردات
أجابني الغياب: بل أنتَ ما تبقّى منك
بعد أن مرَّ العمر هاربًا منك
إلى ضفاف أزمنة من وهجها أثر يتمدد؟
أم أنت الشارد في متاهات الصحو
عند أول شهقة عمر تتوعد؟
وقلت: أنا الغريب الذي استبد به الغياب
وألقى بألواحه عمق الصحراء والجفاء
وسار على درب الملامة يبني عشه
ولا يلوم في الطريق خطاه
رآها تفي بوعود الآلام حين تترصد.








