samedi 2 mai 2026

رقصة في مهب السؤال // المختار السملالي // المغرب

 

فكّرتُ طويلًا
لكنني أظلُّ عاجزًا
أمامَ رقصةِ السنابل
كيف بها تتمايل
والريحُ تجلدها؟
أتسعى
إلى إبعادها عن الحضن،
أم أنّها تغازلها
بشغف العاشقين؟
وفكّرتُ:
كيف تمدُّ الرياحُ يدَها للسفين؟
أترومُ إنقاذها،
أم تُغريها بملح البحر
ليداوي الجراح؟
وكيف للنوارس
أن تصير تيجانًا
تحرسها
من عيون المدى؟
وفكّرتُ طويلًا
كيف للشمس أن تستريح،
وكيف للظلال
أن تحجب توهّجها،
وكيف للغيم
أن يغري التربة
برشّات الغيث،
فيزرع فيها
بذورَ الخِصب؟
أيُّ جوابٍ يتسع للريح
والشمس والظلال
والمدى؟
وأيُّ سؤالٍ
يظلُّ له بُعدٌ وصدى؟
ألتمس جوابا
عما تخفيه الأبعاد من أسرار
كيف يغمر البحر موجه
وكيف يغير لغة الصمت فيه
هل يرغي أم يعزف لحن الصفاء؟







دفتر الوجع // خلف إبراهيم // سوريا

 


إن سألتني كيف أمضيتُ العمر
أقول لك:
تارةً أدفنُ الرفاقَ في الذاكرة
وتارةً أنبشُ قلبي حتى يدمع
وإن سألتني عن حزني
أقول لك:
يتأنّق كل صباح
ويتعطّر بمساءٍ لا يكتمل
وإن سألتني عن الأقرباء
أقول لك:
(إكرامُ الميتِ دفنُه)
وإن سألتني عن الحب
أقول لك:
ضيفٌ يمرّ على الروح
يترك الباب موارباً
ويعلّم القلب
كيف يكون الوجعُ أدبًا.








قراءة سيميو-سوسيولوجية في تمثلات المقدّس والتفكك الاجتماعي في رواية " للاّ زهيلة" للكاتب مصطفى البرقاوي // سعيدة خدوجة العربي // تونس


تندرج رواية للا زهيلة ضمن النصوص السردية التي تتجاوز الحكاية في بعدها الحكائي المباشر لتشتغل على مساءلة البنيات العميقة التي تنتج الإنسان الاجتماعي وتعيد تشكيله داخل شبكات الرمزي والنفسي والجماعي. فهي رواية تنفتح، بما تختزنه من كثافة دلالية وتعدد في المستويات الرمزية، على مقاربة سيميو-سوسيولوجية تكشف عن اشتغال العلامة داخل النص بوصفها امتدادًا لبنية اجتماعية مأزومة، حيث يتقاطع المقدّس بالهامشي، والجرح النفسي بالعطب الجماعي، وتغدو الذوات الفردية تجلياتٍ متفرعة عن اختلال أعمق يطال النسق الاجتماعي برمّته.
منذ مفتتحها السردي، تؤسس الرواية لثنائية مركزية هي ثنائية الهروب/التطهر؛ فالعفيف لم يغادر الجماعة بوصفه شخصًا ضاق بالمحيط فحسب، غادرهم بوصفه ذاتًا مأزومة لفظها مجتمع تحكمه آليات النفاق الأخلاقي والعنف الرمزي والافتراس المعنوي للآخر. ومن ثمّ فإن صعوده إلى الجبل حيث مقام للا زهيلة لا يُقرأ انتقالا جغرافيا بقدر ما يُقرأ بوصفه ارتقاء رمزيا من المجال المدنس إلى تخوم المقدّس، حيث يتحول الجبل إلى علامة سيميائية مشبعة بدلالات العلو والانفصال والتطهر.
غير أن الرواية لا تنزلق إلى تبني هذا المقدّس أو الاحتفاء به فقط كعلامة فارقة في المخيال الشعبي المحلّي، إنما هي تعمل على تفكيكه؛ إذ سرعان ما تكشف أن العفيف، الفارّ من سلطة الجماعة، لم يفلت منها حقًا، كما كان قصده في البدء فقد أُعيد إنتاجه داخل مخيالها الجمعي في هيئة "وليّ" جديد. وهنا تبلغ الرواية إحدى أكثر لحظاتها النقدية كثافة، إذ تفضح الآلية التي بها تصنع الجماعات التقليدية رموزها: فهي لا تفهم المختلف، فتؤسطره؛ ولا تعالج الضحية، فتقدّسها. وبهذا يصبح العفيف امتدادًا سرديًا للا زهيلة نفسها، ويتحول التماثل بين الشخصيتين إلى بنية دلالية تعكس عجز المجتمع عن مراجعة منطقه العنيف، واكتفاءه بإعادة إنتاج مآسيه في هيئة أساطير.
وعبر هذا التوازي البنيوي بين الشخصيتين، يشي النص بأن المجتمع أعمى فاقد لآليات التعلم من ماضيه، فهو بارع في تدوير مأساته في صيغ رمزية جديدة؛ فالضحية القديمة تتحول إلى ولية، والضحية الجديدة إلى ناسك/قديس، بينما تبقى البنية المنتجة للعنف على حالها.
لكن الرواية لا تترك هذه الأسطرة مستقرة؛ إذ تهدمها تدريجيًا عبر إقحام العفيف في شبكة العلاقات الإنسانية والرغبات الأرضية، ليتحول من كائن متعالٍ في المخيال الشعبي إلى ذات بشرية مأزومة تخضع لما يخضع له الآخرون من هشاشة عاطفية واحتياج وجداني. وبذلك تُنزِل الرواية المقدّس من عليائه، وتعيده إلى شرطه الإنساني.
ومع انتقال الفضاء السردي من الجبل إلى المدينة، يتبدل منطق الرواية من بناء الأسطورة إلى تشريح الاجتماع. فالمدينة لا تظهر بوصفها فضاء حداثة، بل بوصفها مجالًا تتعرّى فيه الذوات وتتقاطع الرغبات وتنهار الأقنعة. وهنا تتخذ الخيانة موقعًا بنيويًا داخل السرد، لا بوصفها حادثة أخلاقية معزولة، بل بوصفها عرضًا لانهيار الثقة واختلال العلاقة بين الذات والآخر في مجتمع فقد انسجامه الداخلي.
وتتبدى هذه الهشاشة بوضوح في رسم الشخصيات النسائية، حيث تنجح الرواية في جعل المرأة مرآة لتصدعات المجتمع النفسية والوجدانية؛ فكل شخصية نسائية تكاد تمثل وجهًا مخصوصًا من وجوه الانكسار الاجتماعي:
بية بما تحمله من هشاشة وجودية وارتهان عاطفي للآخر،
وخولة بما تجسده من مأساة الثقة المهدورة،
وراضية بما تختزنه من تيه نفسي ناتج عن تصدع الأسرة وانهيار المرجعيات،
وبهيجة بما تمثله من تقاطع بين السلطة الاجتماعية والفراغ الوجداني.
وعليه، فإن النص لا يعالج الاضطراب النفسي بوصفه خللا ذاتيا، ولا بوصفه انعكاسا لبنية اجتماعية مأزومة تنتج هشاشتها داخل الأفراد ،فهو يصوره نسقا حياتيا مرتبكا على مستوى علائقي وفردي.
وتبلغ الرواية ذروة رمزيتها النفسية في شخصية سليم وفقدانه للذاكرة، حيث يتحول النسيان إلى استعارة قصوى عن ذات مسحوقة بالعطب، لم تعد قادرة على حمل عبء ذاكرتها. فالنسيان هنا ليس فقدًا للماضي فقط، بل انهيارًا لعلاقة الذات بتاريخها الشخصي، والجمعي والإنساني وتفككًا لمعمار الهوية تحت ضغط الصدمة.
كما ينهض المعجم المحلي في الرواية بدور سيميائي بالغ الدلالة؛فضلا على أنّه يحضر بوصفه تلوينا لغويا و تزويقا فولكلوريا، فهو أيضا علامة على الانتماء الطبقي والثقافي، وكوسيلة لفضح التوتر القائم بين الهامش والمركز، بين الثقافة الشعبية والعالم البرجوازي المديني. فاللغة هنا لا تُستعمل فحسب، بل تُمارَس بوصفها هوية.
ومع ذلك، فإن الرواية—رغم ثرائها الموضوعاتي وجرأتها الفكرية—لا تنجو من بعض المآخذ الفنية التي تحدّ من اكتمالها البنائي. فأبرز ما يُؤخذ عليها هو تراخي الحبك الحكائي وتفاوت الإحكام بين مساراتها السردية؛ إذ يبدو النص في مواضع عديدة أكثر ميلا إلى تجميع الثيمات الاجتماعية والنفسية منه إلى نسج حبكة عضوية محكمة، بما يجعل بعض التحولات تبدو أقرب إلى التراصف الموضوعاتي منها إلى التطور الدرامي الطبيعي.
كما أن الرواية، على الرغم من انفتاحها على قضايا بالغة الأهمية كالتعليم، والصحة النفسية، والتفكك الأسري، والوعي الجمعي، لا تستثمر جميع هذه القضايا بالعمق الدرامي الذي توحي به. فكثير من هذه الثيمات تُطرح بوصفها إمكانات فكرية خصبة دون أن تُستوفى سرديًا بالقدر الكافي، وهو ما يخلّف لدى القارئ انطباعًا بأن النص يمتلك مادة اجتماعية أغنى من قدرته على احتوائها حكائيا.
ومع ذلك، فإن هذه الثغرات لا تنتقص من القيمة الفكرية والجمالية للرواية بقدر ما تكشف عن نص ذي طموح موضوعاتي واسع، يتجاوز أحيانًا حدود بنيته الفنية، فيغامر بفتح أسئلة أكثر مما يمنح من أجوبة، ويطرح قضايا أكبر مما تسمح به هندسته السردية المحدودة.
في الختام، تقدّم «للا زهيلة» نصًا روائيًا ينشغل بتفكيك آليات إنتاج المقدّس الشعبي، وتشريح هشاشة العلاقات الإنسانية داخل مجتمع تتآكل فيه المرجعيات وتتصدع فيه البنى الأسرية والوجدانية. إنها رواية تكتب الإنسان بوصفه أثرًا لبنية اجتماعية مختلة، وتكشف كيف تصنع الجماعة رموزها وضحاياها بالآليات نفسها، في عالم لا يتوقف عن إعادة تدوير جراحه تحت أسماء جديدة.








vendredi 1 mai 2026

من مثلي يحبك // ثامر الخفاجي // العراق

 

منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أَنَّكِ
أخْطَرُ إمرأةٍ
في تاريخِ العشقِ
وَلَيالِي السُّمّارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّ الطَّريقَ
إليكِ مُوحِشَةٌ
إلا منْ بناتِ إفْكاري
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّكِ قَدَرٌ
لا يَرحمُ منْ لا يُؤمِنُ
بِالأقْدارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
وكلُّ صورِكِ حَبيباتِي
وكَلامُكِ
أجْملُ أشْعاري
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ
أنَّ في مِحرابِكِ
لاتُقبلُ توبةَ عاشقٍ
فحذارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّ الطَّرِيقَ
إلى جنتكِ يَعني
عُبورَ النار
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّكِ سًيفٌ
لا يَحْمِلُهُ
أَنْصافُ الثُّوارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّكِ لُغْزٌ
لا يَفُكَّ طَلاسِمَهُ
كهنةُ الأَسْحارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ياامْرَأَةً
وفي بِلاطِكِ
يَتهاوى الشُّعراءُ
ومُلوكُ الأمْصارِ.






لو تعلم يا أبي...// الزهرة الحميمدي // المغرب

 

لو تعلمُ يا أبي
أنني كلّما عبرتُ المرايا
رأيتُ ظلكَ
يُرتّبُ فوضى الضوء
في الممرّاتِ القديمة…
وأنّ المساءاتِ
منذ رحيلِ خطاكَ
صارتْ تُشبهُ نوافذَ مهجورة
بزجاج مكسور
لو تعلمُ…
كم أخبّئُ صوتكَ
في جيوبِ الصمت،
وأعلّقهُ كتعويذةٍ
على أبوابِ الأيام.
حينَ أتعب
أجلسُ قربَ ذاكرتكَ،
كمن يشعلُ قنديلاً
في بئرٍ عميقة
أبي…
كلُّ الطرقِ التي سلكتُها
كانتْ تؤدي إليكَ،
حتى تلكَ التي ازدحمتْ
بالغرباءِ
واللافتاتِ الصدئة.
أتعلم يا أبي،
ما زلتُ أخافُ الشتاءَ
منذُ أن صارَ معطفُكَ
وحيدًا
خلفَ الباب.
وما زلتُ كلّما هطلَ المطرُ
أظنُّ السماءَ
تحاولُ أن تكتبَ اسمكَ
ثم تبكي…
لو تعلمُ يا أبي
أنّ العمرَ
ليسَ سوى نافذةٍ
نظلُّ نفتحُها
على الذينَ غابوا،
كي لا ينطفئَ البيتُ تمامًا.






jeudi 30 avril 2026

غضبي الهزيل.. // المصطفى المحبوب // المغرب

 

سأسرق قليلا من الصبر وأقاسمه ما تبقى من طعام البارحة مثل زهور سئمت رجالا يجلسون على حافة أعقاب سجائر ، يسحبون رذيلة الهواء الراقد بالقرب من أنوفهم ...
سأتسحب إلى ذهن وردة لأسرق لحظات صبرها
وأتعلم كيف أجلس لساعات طويلة وسط جبل وعدني
بتراجع الموت قليلا إلى الوراء حتى تتمتع هذه الشيخوخة التي تشبه ثنايا أفخاد فيل يستحم في الوحل ..
سوف أنسى أن طائرا مر من هنا
دون أن يعرف أنه سيلهث طويلا قبل
أن يجد من يخْلص له مثل رجل نظافة
يتلصص على زبالة نسيها أحدهم ..
وسأتفق مع هذا الطائر الذي ترك بيضه
حتى يعود من سفر الهجرة الطويل كامرأة حجزت دورها
في مستوصف الحي وعادت لتحضير خبز الصباح لصغارها دون أن تستمع لوصايا حارس أتعبه صراخ المرضى وشجار الأمهات...
سوف أقول
إني عانقت يوما ما منفضة السجائر
أقحمت أنفي وسط رمادها حتى وجدت
رئتي تقف في طابور المستشفى ..
سأتعلم كرجل بدوي يحب الشمس
رجل لم يفكر لحظة أن يتخلى
عن تبغه الأسود فقط لإرضاء الأقارب...
سأتعلم كيف أتخلى عن القليل من أنانيتي وأرغمها
على ترميم شقوق الصبر الذي لا أحد يتعجل قدومه
وسأقاسمه ما تبقى من غضبي الهزيل ...








صمت الجدران // محمد محجوبي // الجزائر

 

يسكنني حرف زئبقي مطرز بجدران
وأنا ناظم لأشعار فصول
تلاحق ظلي
كلما مزقت ورقة من تركة الليل
كلما احدودب شعري بحمولة أثقال تغولت بها جدران الصمت من حولي
في ساعة محترقة
سكبت الآهات على جوف الحنين
وتناولت ثقوب الجدران السميكة العنكبوت لأرى وجهي على رقصات نوارس المدى المعتم ، اكتشفته خرقة أيام
تبعثر شتات ذاكرتي
بين أمكنة ما عدت واثقا من نحاس ألواحها التي قذفتني إلى آخر نقطة لفظت فيها أنفاسها تلك اليمامة المنتفضة من جليد الضلوع ، وما عاد لي في الشعر مخيلة تسبي زهرات القبور التي خبأتها زمن الذوبان .
و الأمكنة كلها
لم تعد سوى بهرج ماض أطفأ شموع حلمي
العناوين كلها انتحلت صفة الجدران المتوحشة الصمت
همساتي التي ارتوت بأماسي غروب ندي
فقدت بوصلة الضوء
لينال موالي قسطه من القضم
حينئذ بيداء فكرة
توزع غيم المتاهة على زخارف جدرانية يزغرد شوكها في ملإ النكرات
جفاف على صخرة الصدى
حروف مصفدة
بين حجر تخصبه حيات
النهايات جدران
ولقالق تجر عربات الوأد
حيث ينتعش الصيت غربان .







نطفة مهربة // مجيدة محمدي // تونس


أنا طفلةٌ، اسمي حرّيّة،

تسلّل اسمي إليّ، كما يتسلّل الضوءُ من شقٍّ صغير

في جدارٍ أُحكم إغلاقه.

*

كنتُ نطفةً

هُربت من عيون الحراس،

ومن ثقوب عُرى مفاتيح صدئةٍ

توهمت أنّها تُمسك بمصير الحياة.

*

السجان ظن

أنّ أبي إذا غاب خلف القضبان

سيتحوّل إلى ذكرى،

وأنّ أمّي إذا أُثقِلت بالفراق

ستنسى كيف تُنبت المعجزات،

لكنّه لم يكن يعرف

أنّ الحبّ حين يُحاصَر

يتحوّل إلى سرٍّ

أشدّ خصوبةً من الأرض.

*

أنا ابنةُ المسافة،

ابنةُ الرسائل التي لم تصل،

ابنةُ يدٍ ممدودةٍ في الحلم

لم تلمس يدًا

لكنّها لم تتراجع....

*

ولدتُ

كما تولد الأشجار في الشقوق،

كما يخرج الماء من بين الصخور

ولدتُ لأنّ المستحيل

أخطأ الحساب.

*

كبرتُ قليلًا،

فاكتشفتُ أنّ اسمي

ليس حروفًا تُنادى،

بل طريقٌ طويل،

وأنّ كلّ من ينطقني

يُعيد ترتيب العالم

على هيئة نافذة.

أنا حرّيّة،

لا تُقاسُ بطولِ غياب،

ولا تُهزمُ بتأجيل اللقاء،

أنا ذلك الاحتمال

الذي ظلّ مفتوحًا

رغم كلّ الأبواب المغلقة.

وحين وضعتُ قدمي

على هذه الأرض،

لم أمشِ،

بل امتدَدتُ 

جذرًا خفيًّا

يبحث عن أبي في عمق التراب،

وغصنًا طريًّا

يصافح وجه أمّي في الضوء.

أنا طفلة،

لكنّي أقدمُ من السجون،

وأقوى من الحراس،

وأشدُّ عنادًا من الحديد.

أنا حرّيّة،

وقد جئتُ

لأُربك النهاية.







ملح الوطن // سعيدة العربي // تونس

على حافة الخريطة
كان الوطن ينام في جيب غيمة مثقوبة،
يرضع أبناءه من نهرين
أحدهما ماء.....والآخر ذاكرة.
وكان كلما قبلناه
نبتت على شفاهنا سنابل
وارتجف الملح في البحر
كأن الأمواج تحفظ أسماءنا.
لكن بعض الذين
أكلوا من خبزه حتى تشابهت عظامهم مع قمحِه،
باعوا ظله
لأول تاجر ليل
يمتلك حقيبة أوسع من ضمير.
فصار الوطن
يمشي بعكاز الخرائط،
وتتدلى من خاصرته
مفاتيح مدن
لا تفتح إلا في منام المنفيين.
يا وطني
أي معجزة هذه أن تكون شجرة
ويأتيك الحطابون!!!
وأي فاجعة
أن تكون نجمة
ثم يطفئك
الذين تعلموا اللمعان من ضوئك؟
أنا لا أحبك
كما يحب السائح نافذة قطار،
ولا كما يحب الجنود
نشيدا قبل المعركة.
أنا أحبك.....كما تحب الجذور
ظلام التراب،
كما يحب الجرح
جسده رغم الألم،
كما يحب الغريق
آخر ما تبقى من الهواء.
فإن خانوك سنعلق أسماءهم
على مشاجب الريح،
ونترك التاريخ يجرهم حفاة
فوق زجاج الأجيال...
أما أنت فستبقى........وطنا
يخرج من تحت الركام
مثل قصيدة
رفضت أن تموت!!!!!