بهو المصر على شساعته لم يستطع أن يحتوي ضيق صدره، أخذ يطوف في جنباته كالطير الذبيح، توجه إلى نافذة عالية، فتحها، أطل برأسه .. شاهد على السور صفا طويلا من النمل يتابع خط سيره بجوار الحائط المرمري، تساءل من أٌين أتى؟ وإلى أٌن يمضي؟ وفيم يفكر؟
أحس بالغيرة، على الأقل ،هذه الحشرات الصغيرة تعيش ضامنة رزقها، تروح وتغدو...لا تقلق ولا تخاف...ولا تفكر في مصيرها المحتوم
حاول أن يطرد الهواجس التي كانت تنهش صدره، أن يشغل ذهنه المشتت بالتفكير في شًيء آخر، حاول أن يعود ليتابع سير النمل لعله يسلو قليلا لكن الحشرات اختفت تماما عن ناظريه .. وبقيت الأحزان
الأمر لم يعد مزحة، لقد أصبح لزاما عليه وهو آخر ملوك غرناطة الملك عبد الله مغادرة المدينة في الساعات القليلة القادمة..ليفسح المجال لفرناندو كي يحتلها حسب الاتفاقية التي تمت
أحس بالضنك، نهض من مكانه، غادر بهو القصر الكبير بخطوات سريعة، ونظرات أمه
.عائشة تتبعه، كانت حزينة ..واجمة
اتجه إلى هضبة قريبة من هناك.. صعد إلى أعلى قمة، سرح ناظريه المتعبين على ما حوله من جمال
الأشجار المحملة بالأغصان المثمرة تنبئ بموسم مليء بالخيرات.. السماء الصافية، أصوات الطيور تصدح بأجمل الألحان
"رباه! أيعقل أن تضيع كل هذه الجنان؟ أن تذهب إلى غير رجعة؟ أن ٌيفقد هذا الفردوس الرطيب في لحظة؟
سمع أصواتا آتية من بعيد، استرق السمع أكثر، "ٌيا إلهي هذه أصوات طبول وتهليلات تقترب"
شعر بأوتاد حادة تدق في قلبه، أمسك برأسه بين يديه، أغمض عينيه ، تمنى لو كان كل هذاحلما سيستقظ منه أكيد
ها هي الطبول تقترب أكثر، أٌيام حكمه تمر أمام ناظريه شريطا يدمى روحه، امتلأت
..عيناه بدموع صامتة، تحولت الدموع إلى بكاء، ثم إلى نحيب ٌيمزق الفؤاد
وصله صوت خطوات تدنو من مكانه ببطء ،التفت إلى مصدر الصوت، كانت أمه عائشة
التقت عيناه بعينيها، رأى فيهما نظرة من نار اختزلت كٌل شيء، لم يقو على تحمل تلك النظرة، طأطأ برأسه إلى الأرض، سمعها تقول بصوت أجش نفذ كالخنجر إلى روحه
!!ابك كالنساء ملكا لم تحافظ عليه كالرجال-
لم بجبها، طالت وقفتها، أخذت بدورها تتأمل الروعة المحيطة بالمصر، تحامل على نفسه واختلس نظرة إليها، رأى على وجهها قناعا قاسيا لم يره من قبل، لكن دموعا حارة كانت تسح بسخاء فوق ذلك القناع
...أطلق زفرة حرى أحرقت ثنايا روحه..ثم غادر المكان
ومنذ ذلك الحين أطلق الإسبان على تلك الهضبة من من أرض غرناطة اسم "زفرة
"العربي








