تعتريني على ضفّة الحلم
أغنيتي،
فأنسج الصمت من وقعها
دمعةً... دمعة،
يتدفق من لحنها الغجري
حزن عتيق.
تعتريني على سطوة السهو
جمرةُ عشقٍ،
أتتني وميضًا
من الذكرياتْ،
كأنّ المدى كان يخفي خطايَ
وراء المرايا،
ويترك في القلب
ظلَّ الحكايات التي عبرت أفقي.
وأنسج الحلم من غبش الأمنياتِ،
وحيدًا... أطارد في الريح
وجهًا توارى،
وصوتًا تكسّر بين جهات المعنى المتاح.
وحيدًا، أسابق ظلّي،
وأجمع من الليل
ما بعثرته يدُ الوقت
فوق رصيف الذكرياتْ،
وأصغي إلى نبض قلبي
وهو يفتّش بين رماد السنين،
عن خطوةٍ لم تتمّ،
وعن موعدٍ لم يجئ،
وعن أغنيةٍ، أضاعتها الريح
في آخر المسافات الطويلة.
وكلما مرّ طيفٌ
من الأمس في خاطري،
أشعلتُ في داخلي
قنديلَ حرفٍ، وأغلقتُ بابي
على ما تبقّى من الأمنيات الرتيبة.
أقول للغيم: خذني إليك،
فما عاد في الأرض، متّسعٌ للحنين،
ولا في يدي، تدلني رؤياها إلي
غير وهج هذا القصيد، أضمّد به
جرحَ السنين العقيمة.
أقول للوقت: تمهّل قليلًا،
وامنح لي فرصة، حتى أرى حزني
فإنّي تركتُ على دربه، بعضَ عمري،
وبعضَ خطايَ، وبعضَ الذين أحببتُهم
وهم يمضون دوني إلى آخر الحكايا الحزينة.
وحده الشعر يجتاحني،
كلما اتقدت في الغياب
قصائدُ، حبلى بهذا الأنين ولفح الغياب.
وحده الشعر يعرف، كيف يعيد الغائبين
إلى مقعد القلب، كيف يوقظ في الرمل
نبضَ خطاهم، وكيف يرمّم
ما هدّه العابرون من أثر الوفاء.
وحده الشعر، حين تضيق بي الأرض
يفتح نافذةً للسماء،
ويمنح لي من رماد الخسارات
ماءً، ومن وجع الذكريات
قصيدة جائعة.
فأمضي... ولا شيء غير القصيدة
يرافق خطوي، ولا شيء غير الحروف
يعيد إلى الروح ما غاب عنها
وما احتملت من عذاب.
أمضي، وفي داخلي ألفُ لحنٍ
وألفُ سؤال، وفي كل دربٍ
بقايا حكاية، وفي كل صمتٍ
صدىً لا ينام من الأمنيات.
وإذا ما أطلّ المساء على نافذتي،
أترك القلب وحده
يستعيد الذين مضوا،
ثم أكتب... أكتب حتى يخفّ
ثقلُ الغياب، وحتى يصير الأنين
على الورق نوعًا من الانعتاق.
تعتريني على ضفّة الحلم
أغنيتي، وأعود إليها
كلما ضلّ بي، موعدُ القلب،
وكلما أرهقني طولُ الطريقْ.
فما بين حلمٍ توارى،
وذكرى، تضيء ثم تنطفئ،
أظلّ أنا... أفتّش في الليل
عن قصيدةٍ تليق بهذا الغياب،
وتحمل عنّي ما عجز القلب
عن قولهِ منذ ألفِ حريق.








