مدخل :
يقول أدونيس :" ومن حيث الصورة ،نشير إلى أنها توسع المسافة بين الدال والمدلول ، أي بين الكلمة والمعنى ،فهي تخلق عالما خياليا إيحائيا ، والقيمة الجمالية للقصيدة تكمن في طاقتها على الإيحاء ، الأحلام التي تثيرها المشاعر التي توحي بها ،الأفكار التي تكشف عنها ، الأسئلة التي تواجدها ". من كتاب الثابت والمتحول (صدمة الحداثة) لأدونيس دار العودة بيروتخ الطبعة 4 /1984 .
ـ دلالة العنوان :
" لاأقبل إلا بتوابل موطني " عنوان جذاب ومثير للقراءة ، يبدو حسب البعض بسيطا ، لكنه عميق الإيحاء ، يختزل توجهات الشاعرة ورؤاها الإبداعية ، عنوان شعري يعج بما يشد المتلقي ، ويترنم بالحلم المتمرد . اختير بعناية مركزة .
ـ تفكيك العنوان :
التوابل : هي أجزاء نباتية عطرية تستخدم في الأطباق الرئيسية ، وغالبا ما تستخدم الكلمة في المطبخ العربي للدلالة على نفس المعنى .
أما مجازا تشير إلى العناصر أو التفاصيل التي تضاف لشيء ما لتزيد من جماله ،إثارته ، حلاوته أو تشويقه كما تضيف التوابل الحقيقية نكهة ورائحة...يقال "إضافة توابل للحديث" بمعنى إدراج تفاصيل طريفة أو غير متوقعة لجعل القصة أكثر إمتاعا .كما توصف بعض الأحداث بأنها "توابل الحياة". وأحيانا تستخدم للإشارة إلى إضفاء لون أو نكهة خاصة على موقف معين لجعل الآخرين يتفاعلون معه . وباختصار التوابل مجازا هي : كل ما يكسر الملل ويزيد المتعة والتفاعل .
أما كلمة" موطني " تعني وطني ، بلدي، مكان إقامتي ، أو الأرض التي نشأت فيها وأنتمي إليها وتوحي بالارتباط العاطفي الوثيق وفي السياق المجازي مكان الشيخ ومقره .
ـ دلالة الغلاف :
تصميم صورة الغلاف :لقد صممتها ريشة قديرة مجسدة أشكالا عضوية وألوانا تتماشى وطبيعة مواضع الديوان ، أشكال عضوية تتماوج بأناقة الإبداع مما يدعو ذلك : استثمار حاسة البصر لذى المتلقي واشتراط فطنته .
طبعا للألوان المختارة دلالات وانطباعات وتأثيرات نفسية ، فكل لون يحمل طابعا خاصا به .
وخلاصة القول : يقولون في المثل : [الدار تعرف من عتبتها والكتاب من عنوانه ].
نعم ديوان يعكس رؤية واضحة للشاعرة هناء ميكو ، لقد حاولت المبدعة إسقاط المتلقي في حبائل التشويق بلغة شعرية شاعرية زئبقية ملونة بلون يكاد يخطف المشاعر والأحاسيس الدافئة الملفوفة بجمال لاستشراف المستقبل النير بتأشيرة عبور لواقع يشي بما يخالج أعماق الذات .
ـ الإيقاع والموسيقى :
بحق إن الديوان الشعري يضج بالحياة .لذا لم يفت المبدعة وهي التي تملك حساسية قوية لغوية وفنية للأصوات التي كتبت بها نصوصها الستة و العشرين بجمالية وحنكة تتضمن مقومات الشعر بشموخ تثري الأدب .
لقد حلقت الشاعرة هناء ميكو في فضاء متشبع بالجمال الفكري والشعري ، موغلة في العمق كثيفة الدلالة ،تجوب عباب المتعة المستفيضة للمشاعر والأحاسيس ،تقتنص الضوء من العتمة وتحرص على بناء علاقات منسجمة مع الذات الشاعرة ... لقد حاولت المحافظة على المقومات الجمالية الأساسية للإيقاع الموسيقي النابعة من أعماق النوتات المليئة بالذوق والحس الفني . بكل المقاييس الفنية لقد حاولت الإدهاش بحرث أرض القصيد محافظة على الصوت بالمعنى والوزن بالإيحاء وليس هذا فحسب بل ركزت على التناغم بين الإيقاع الصوتي والنفسي كدليل للتضلع في اللغة .
ـ اللغة :
كتب الديوان بلغة وهاجة قريبة للنفس ،كما نحتت من جمال يسكب الدهشة والإمتاع ،وفاحت النصوص بحرقة الوجدان الصامت والعميق ... ومن هنا يمكن اعتبار الشاعرة لها قدرة لغوية ونفسا شاعريا عميقا . نصوص تتدفق صدقا ، تميد على عروش من انزياحات جذلى . نسجت بجهد ملموس لتنفث كل الهواجس ،وتروض كل الوجع لتخلق في الأخير لذة القراءة ... فكل من انغمس في قراءة النصوص سقط في حبائل الإعجاب ... فلا يولد الفجر إلا من رحم الظلماء ....
ـ الصورة الشعرية :
لاغرو أن اللغة الشعرية ديدن الإبداع ، روح القصيدة بل الأداة الأساسية لبناء الصور ...هكذا تحلق بنا شاعرتنا المقتدرة هناء ميكو في فضاء الإبداع وهي تنبجس في أعماق الوجدان وتخترق المعنى بالانزياح والتعدد الدلالي ... إن الشاعرة موهوبة تملك ناصية الحرف ،تعزف الشعر الأنيق بين عروش الذات وشجن الروح .
ـ الخاتمة:
لقد شقت المبدعة كل دروب الإبداع ، حيث نقرأ نجد جميع نصوصها تحاكي عناصرها عوالم حبلى برحيق الإبداع المتميز . لقد جعلت من الشعر وميضا من النبض الداخلي واستراحة روحية ، مصبه القلب يتناغى مع الأعماق ... إن نصوصها صرخات مكتومة تراقص مكنون الأغوار ،لا تكف تشذب أعشاب الروح بأسلوب جميل وراق يجدد الإحساس ويفجر الخيال اللامتناهي للكتابة ... معتبرة [ ما الحرف إلا رسول الوجع ] .










