lundi 30 mars 2026

أدب الروح بين التأمل والفلسفة : قراءة نقدية في «تعاليل وتباريح روحانية» لخولة الأسعد // ربا رباعي // الأردن

 

  في زمن تتسارع فيه الكتابة نحو السرد الخفيف والاستهلاك السريع، يبرز كتاب «تعاليل وتباريح روحانية» (2025) للدكتورة خولة محمود الأسعد بوصفه تجربة مختلفة تعيد الاعتبار لما يمكن تسميته بـ"أدب الروح". فهذا العمل لا يكتفي بأن يكون نصًا تأمليًا أو سرديًا تقليديًا، بل يذهب أبعد من ذلك ليؤسس خطابًا يجمع بين الفلسفة والرمز والتجربة الإنسانية في إطار معرفي عميق. يقوم الكتاب على بنية حوارية بين "الشيخ" و"التلميذ"، وهي صيغة تستدعي إرث الحوارات الفلسفية القديمة، لكنها تُعاد صياغتها هنا بروح معاصرة. لا تقدم الكاتبة إجابات جاهزة، بل تدفع القارئ إلى التفكير في الأسئلة ذاتها، وتحفّزه على خوض تجربة الوعي الذاتي بوصفها رحلة مفتوحة لا تنتهي عند معنى واحد.
 أسلوب تأملي يتجاوز السرد: تعتمد الأسعد أسلوبًا رمزيًا تأويليًا، حيث تتداخل الحكاية مع الحكمة، ويتجاور السجع مع الفكرة الفلسفية. هذا التداخل يمنح النص طبقات متعددة من المعنى، ويجعل القراءة فعلًا تأمليًا لا استهلاكًا سريعًا. فاللغة هنا ليست أداة نقل، بل وسيلة كشف، تكشف عن أعماق النفس البشرية وتعقيداتها. ثنائيات وجودية برؤية مختلفة من أبرز ما يميز الكتاب تناوله لثنائيات الحياة الكبرى مثل الحب والكره، الفرح والحزن، الصدق والكذب، الربح والخسارة. غير أن هذه الثنائيات لا تُطرح بوصفها صراعًا بين أضداد، بل كمساحات للتأمل وإعادة الفهم. فالحب، في هذا السياق، ليس مجرد عاطفة، بل وعي متسع، في حين يصبح الكره علامة على اختلال داخلي. كذلك يتحول الصدق إلى علاقة بين الإنسان وضميره، لا مجرد قيمة أخلاقية مجردة. بهذا الطرح، تعيد الكاتبة تعريف التناقض، وتحوله إلى معادلة روحية تفتح باب النمو الداخلي بدل أن تغلقه 
الرمز والحكاية: مفاتيح التأويل تلجأ الأسعد إلى الحكاية الرمزية لتقريب المعاني المجردة، كما في "حكاية الإوزة" التي تعكس قدرة النفس على الفهم العميق للآخر. هذه الرمزية لا تأتي للتزيين، بل تؤدي وظيفة معرفية، إذ تمنح القارئ فرصة لتأويل النص وفق تجربته الخاصة. ويأتي ختام بعض النصوص بعبارات مكثفة مثل: «وللحظوظ وكشف النوايا طرقات»، ليترك أثرًا مفتوحًا يدعو إلى إعادة القراءة والتفكير فيما وراء الكلمات.
 نماذج دالة: أسئلة تتجاوز ظاهرها في نص "عرفان"، تطرح الكاتبة سؤالًا حول إمكانية معرفة المعرفة ذاتها، في إشارة إلى العلاقة المعقدة بين الرغبة والوعي. أما في "ظلم وظلمات"، فتناقش مفارقة الضمير الإنساني، متسائلة كيف يمكن للظالم أن ينعم بالسكينة، لتكشف أن الظلم ظلام داخلي قبل أن يكون فعلًا خارجيًا. وفي "خداع المسافات"، تتحول المسافة من مفهوم مادي إلى حالة إدراكية تصنعها الذات. بين التراث والمعاصرة يمكن قراءة هذا العمل بوصفه امتدادًا لأدب الحكمة في التراث العربي، حيث يحضر الرمز والتأمل كما في الكتابات الصوفية، لكن مع اختلاف واضح يتمثل في تركيزه على الإنسان المعاصر وأسئلته اليومية. فالكتاب لا يغرق في التعقيد، بل يسعى إلى تقديم رؤية يمكن للقارئ العادي والمتخصص أن يتفاعل معها في آنٍ واحد. 
خلاصة 
يقدّم «تعاليل وتباريح روحانية» نموذجًا متماسكًا لأدب يجمع بين الفلسفة والتأمل والبعد الأخلاقي. إنه كتاب لا يمنح القارئ إجابات نهائية، بل يقدّم له مفاتيح لفهم ذاته والعالم من حوله. وفي ذلك تكمن قيمته الحقيقية: كونه تجربة قراءة تُعاش، لا مجرد نص يُقرأ. في المحصلة، ينجح هذا العمل في ترسيخ أدب الروح بوصفه مساحة للتفكير العميق، ووسيلة لإعادة اكتشاف الإنسان لنفسه في عالم يزداد تعقيدًا كل يوم.






dimanche 29 mars 2026

ثالثنا طيف // زينة الهمامي // تونس


بيني وبينك طيفُ امرأة

لا تُرى، لكنّها تُرى

حروفُ اسمِها..

تتسلّل بين نبضي

وتكتبني من جديد.

بقايا عطرِها..

عالقةٌ في الهواء

كأنّ الزمنَ نسي أن يمحوها.

ورسائلُها القديمة

تفتحُ نفسها كلّ ليلة

وتقرأني.

سنواتُ شوق

تتكاثرُ كظلٍّ لا ينتهي.

وأنهارُ وجع

تفيضُ بصمت

وتغرقُ في صدري

كلّما اقتربت بنا المسافات

ودنونا من الوصول.

ارتجف الطريق..

أعادنا طيفُها للوراء

ألف عام..

وألف ميل..

وربما أكثر.

غرقنا في بحرِ الوجع

نبحثُ عن شاطئٍ

لا يأتي.

وظلّت على المدى

هي الجدارُ العازل

لا يُرى، لكنّه يمنع.

وظللنا كما نحن

نقفُ في نفس المكان

كأنّنا صورةٌ لا تتحرّك

فما استطعنا المضي إلى الأمام

ولا التراجع إلى الخلف.

عالقين بين احتمالين

كلّما قلنا: حان اللقاء

همس طيفُها: أنا هنا.

لا أنت استطعتَ محوها من ذاكرتك

ولا أنا استطعتُ محوك من عالمي

وبيننا تتكسّر الحكاية.

أنا وأنت وطيفُها

حكايةُ مدٍّ وجزر

لا تهدأ.

وألفُ ليلةٍ وليلة

لكن دون نهاية.

بقلم

زينة الهمامي تونس




samedi 28 mars 2026

اللاعودة // خلف إبراهيم // سوريا

 

أيها المهمّش بشظايا ظنونك،
في مضمار لهفتك
مصروعًا
بعطر حنينٍ يشتعل كبركانٍ في عروق الزمن
يحمل فوضى الليالي
ستعود
إليّ
لن أعود، وإن عادت ليالي الشوق
لتكويني
أنا شاعر أمزق المعنى
نزق كبريائي،
عنيدٌ شاهق
بـ/لا/ تكويني
وإن أمطرت كبرياؤك غزارةً،
وصعدت قمم التعقل
فجنونُ
زهرة أنوثتي المتمردة
ينفجر
كثورة عاصفة
تهدم أسوار عقلك
تزلزل أقدامك،
تحرق كل براءة،
وتجبرك
على العودة إليّ
لن أعود إلى حبٍ كسر ظل وجداني
أحرقني
ثم،
على عوسج
حطبًا ذرّاني،
قطرة
تتلوها قطرة
دماء ندى
يهتز مرتجفًا على أقدام
الندم المتشظّي
ليذكّرك أن كل انفجار
صرخة
وكل صرخة
ثورة،
وكل ثورة
تُعيد صناعة الأرض من رمادها،
لكن أنت
أنت الذي حاولت الانتصار على الجحيم
لن ترى ثورتي
ستتحطم
وتتبخر
بين يديّ.








لم أجد غيرها ...// علي الزاهر // المغرب

 

لم أجد غيرها
فارعة الطول
ممشوقة القد
صامدة أمام الريح
متجدرة في الربع المنسي
مانحة الظل و البلح
كاتمة السر خلف ليفها
لم أجد غيرها ،
أحق بالمدح و الثناء
و ما اشتعل من غنج على الرمال
هي سيدة الجنوب
على عرش وجوده ،
تاج و صولجان
و على حبات الرمل فيء
و فخر انتساب
هي النخلة ، أم البهاء
في محراب تجليها، تنجلي الظلماء
لها أشعاري و جنوني و غيم الفتون
لها تنحني أشطان و قيعان
لما تسربلها في تخوم الصهد
مواويل الجد عن التأبير
لها الألحان اتسقت
أغنيات غجرية الإيقاع
على جنبات الوادي المفتون
بصدى الطير و وقع الزغاريد.








vendredi 27 mars 2026

من سيعزف اللحن الصادق ؟ // أحمد نفاع // المغرب

 

فمَن هذا
الذي سيعزفُ
بقايا لحون السلام
بدل رعود القهر والحرب
من سَيدثر الورد
من الصقيع
من سيضمد سيقان قصائد
يشتكين الجراح
والكسر
اسألوا ..
اسألوا أظافري
كم نبشت بين تخوم وأنقاض
لِتَنتشلَ غارق الفرح
وتصقلُ درر
الحق
آمنتُ
ولا شيء ..
على السفح
القريب من السماء
أقطن
وتسكن معي
قوافي يواسينني
يعانقن غيمات أحزاني
يرقصن بأثواب
من حرير
وماء
تقولُ
محاراتُ ..
ما عُدنا نستطيع أن نبوح
لموج البحر ، للرمل ..
وكل الشاطئ
بالدمـــاء
تلوث
وتقول
خنافيس الليل
ما عدنا نضيء الطريق
وإذا ما الضوء خفت
سنحرثَ الصبرَ
فوق أكتاف
الصخر
وتقول
رياح عاتيــة
سنفتكُ بكل البراعم والأفنـــان
سنبعثِر المزيد من اللحن
سنزعِج الأوزان
بعصف يهز
ولا يلين
وأقول أنا
إلى أين يا أنــا ؟
سأرابط
تحت مآذن الانتظــار
أحدق في السماء
علها تمطر
وحياً
وسلاماً
سأطوي أطرافي
وأبقى قوياً أمام الهزيع
سأعيش ضعفي
وفراستي
سأكتم لِهاثي
وأعزف أبجدياتي
بعزم فائض
ناضج
كلنا ..
في فوهات
جميعُنا في صراع / نسارع
متعددون، وكلنا واحد
بين أنياب ظلام
ونفوق عقل
الحق.








وغاب الصفير ( قصة قصيرة) // ليلى عبدلاوي // المغرب


...هذا الغروب ينبش  بقسوة ماتبقى من آثار الأمس
..فنجان القهوة المعد على عجل يتوسط المائدة  كالمعتاد
..الدخان المتصاعد من الإناء يرسم تموجات واشكالا  هلامية
    تتأملها سناء ولا تنتبه....فخيالها الجامح يركض بعيدا كدأبه كل يوم..بل كل لحظة
   شهر مضى كأنه عام..المنظر نفسه...حقول شاسعة علت الصفرة نباتها...انعكاس أشعة الشمس يتلألأ فوق أديم مياه الغدير...الأغصان المثقلة بثمار التين تتمايل إلى الأسفل.
هي هنا منذ مدة..تلهو بجمع  الأقحوان..يمتد بصرها بين الحين والآخر إلى مطلع الطريق الضيق
   يطول الانتظار..تعد الأزهار وتصدح بأهازيج منطقتها...يداعب سمعها صفير يقترب رويدا.. تتطلع ببصرها إلى الطريق..يلوح في الأفق وجه ضاحك يمتطي دراجة هوائية
يلوح بيديه ..تركض في الاتجاه المعاكس..نداءاته تجعلها تسرع أكثر....تتشابك.. الأيدي...تمتزج ضحكاتهما  (ضحكاتها بضحكاته)
  .. يرن الهاتف مرتين
تصحو سناء من غفوتها ..برودة الفنجان توحي بأن الحلم هذه المرة استمر أطول من المعتاد ..ربما أطول مما ينبغي
  كشوكة حادة  تتضخم الغصة في حلقها.. تلتفت ببطء إلى الصورة المعلقة بالجدار ..شعر أسود لامع غطت قبعة التخرج نصفه
..ثغر جميل و عينان باسمان.. .الشريط الأسود لايزال في الركن
  مدت يدها، نزعت الإطار من مكانه..وضعته على صدرها..تنهدت .. آهاتها تعانق الذكرى ..أحست أنها على استعداد لأن تدفع عمرها كله ثمن لحظة تستنشق  فيها عطر أنفاسه
   داعب سمعها صوت صفير آت من الحديقة...ابتسامة تغالب الدموع..أبعدت طاولة القهوة بعنف...مرقت من باب الغرفة
الصفير يتباعد..نحيبها يعلو....يعود الهاتف إلى الرنين...سقطت على سريرها...تضغط بالمخدة على رأسها كمن يقاوم صوتا مرعبا ..كمن يسجن ذكرى..كمن يتمنى لو ينتهي كل شيء.






mardi 24 mars 2026

أوراق شعرية // محمد محجوبي // الجزائر

 

ورقة أولى : شربت قدح الشعر وأنا لا أزال طفلا يبعثر أشعة الشمس بعينيه الضيقتين فيشتهيه النهار كعصفور صغير يمتع الماء بزقزقات ربيع ساطع الأرواح .
ورقة ثانية : كانت أمي تغني مواويلي في طهي شاي يتبخر فرحا بين أغصان أشعاري التي سكنت أريج ديارنا .. ونحن نتيه بين دندنات السواقي على مسك تراب يهذي بأرواحنا المتآلفة .
ورقة ثالثة : في ثوب الشعر شممت ضوء فراشات تفشي طيب زماني
تقول أنت شاعر سليل إنسان متجذر في عروق البنفسج
رأيت بحرا محموم الزرقة يعزف أشعاري بين خفقات الموج
سمعت صدى الحنين
يبعثر ذكرياتي في خلد النسيم المترف بي
استنشقت هواء شرودي المذاب بجمر الليل
أنتعشت أشعاري
سابحة بين ريش الغيم
أصبحت سرا خفيا في أعشاش مدن قديمة
صنعت لها رداء من همهمات شعري
كنرجس يحرس نبض الماء
كأي شاعر
يترك بين أوتاد الحرف خيمة تطرب أنفاسه
بضياء الناسكين .






صرير // إدريس سراج // المغرب

 

هذا الحزن كبير
يفجر الصور
تسري الحروف مسراه
تتدفق عاتية
تحرق اليابس و اليائس
لا أخضر في الأفق
لا أزرق أيضا
غضب منفجر
و سخرية قاتمة
تكسو سفوح الروح
هذا الحزن موغل
في الحنين
ليس وليدا
اشتعل فتيله
منذ الصرخة الأولى
قبل العصور
و بعد الوجود
هذا الحزن سيد
و الأكوان
في مداره الشاسع
سقط المعنى
و انتصار الموت
لا حياة في الحياة
من يذكر الحياة ؟
من يعرف الحياة ؟
حمامة سلام
لا ترسلها لجائع
و أنا لا أملك
غير حزني
لا يصدر مني
غير أنين و حنين
أدون انكساري
بحبر الروح
حروفا شكلت بها
صور الخذلان الأكيد
ما من حي هنا
أو هناك
و لكن شبه لهم
محاصر بالحزن و الحنين
أهرب من عزلتي
لأسرح في الحلم
ذاك ما عدت أجيد
و أنا الآن
شموخ السخرية
عبثا تعلو
عاصفة عاتية بلهاء
أدير ظهري لسفاسف
الأرض و السماء
منسحبا من ضجيج
الأمكنة و الأزمنة
أنصت لداخلي الجريح
و أنتشي بالوحدة
لا حياة هنا
لي وهم عنيد
أراه يناسب خبلي
يتقدم في المجهول
فأسير خلفه
دون سؤال
أنا الحزن
أنا قبره
أنا لا أسقط
قد أتعثر
قد يسقط ظلي
قد يسقط كلي
لكني أمضي
ما عدت أبالي
كم مضى
أو كم بقي من الكبوات
لا زلت مخلصا لحلمي
لا زلت أتبع وهمي العظيم
أنا لا أشبهني
أنا البحر لا أنتهي
أصبح الطفل الذي كنته
أشكوه حزني و تيهي
شاردا شريدا
أبثه خجلي و القلق
أنظر حولي
خراب و دمار
و أنظر للمدى البعيد
أرى أطفالا
يتعلمون لعبة البقاء
قبل اللعب
أخجل من حزنهم
أخجل من عريي
سقط القناع
مات الفرح
و علا العويل
أغلب الأحلام
لا تتحقق
لكنها لا تشيخ .......