في مثل هذه اللحظة
غَرَّدت عصافير سفري
وتحرّر الحلم من أقفاصه
وركب صهوة الحنين.
كان القلب يحترق
كسجارة بين أنامل مدمن
يسابق الريح ويتحدّى عناد الزمن
ويرسم في سماء عشقي
آيات الخلود
وينثر في أرض العاشقين إلياذة اللقاء
في ليل ساهر
والمدينة هاجعة تحت جناح الصمت
حطّ جنوني الرحال على وسادتها
فيا لها من مدينة
تخضّبت شوارعها بجمال أنوارها
وتزيّنت بفتنة انتظارها
كانت الحبيبة مائجةً تنتظر بشغف
وكنت كالموج رجراجًا مضطربًا
أتقاذف بين مدٍّ وجزر
تصفعني الحيرة مرة
وتحتويني مرة أخرى
تائهةً على امتداد شاطئ لا آخر له،
كانت هي تسعى حافيةً
بين مقامات الظنون
وتصنع الحسرة من مشاهد الدمع
مرايا بائسة
تحت جناح الحيرة كانت تبكي مرارتها
وبوادر الخيبة تلوح من بعيد
في وكر اللقاء
خيّمت ظلال اليأس على أفق الانتظار
وسأل الصمت نفسه
هل صمد القلب؟ أم أن الحبيب
من فرط الوهن ضاع في متاهات الزمن؟
وامتد الزمن بسطوته
يحُوك من خيوط القهر ثوبًا طويلًا لوجعها
وطال الليل
حتى بدا السواد فيه كأنه ليلٌ بلا فجر
راحت تعاتب القدر الذي بدّد الحلم بتأويلاته
وأغرقت أمنياتها في دمع العتاب
حتى أثقلتها الحسرة
أنهكها الجري
بين أبواب الرجاء المتتالية
وسقط الورد على أرض غربتها يحتضر
حتى رنّ في السمع وعد اللقاء
مثل أمنيةٍ استيقظت فجأةً
من نومها الطويل
وطلّ مركب الرجاء من أقصى الأفق
مترجّلًا من تعب الانتظار
حاملًا على شراعه بشارة الوصول
كم كانت الفرحة بعيدةً كمسافة الوصل
وكم كان الزمن عنيدًا في تراخيه
بطيئًا
كأنه يتعمّد تأجيل الفرح!
ارتبك دمع الأمل وامتزج ببسمتها
وسقى الأمل من جديد
فأزهرت مواعيده وأشرقت شمس اللقاء
دافئةً في غرفتها
فامتزج العناق بشهقات الشوق الحالمة
وآوى الدفء إلى عمق الرجاء
يلتمس من زينة اللحظات
ما طاب من فرحها
تنافست النفس على موائد الحب
وتدافعت إلى مناهل العشق دون تردد
واعتصرت الروح شهد التودّد
ضمّها برفق الحنو إلى صدره كطفلة
وبدأ الحلم يرسم من لمسته
متعةً لا تشبه سواها
وكان الشوق يروي على صدرها
حكاياته الآسرة
والرغبة كفراشة ربيع
تراقص لهفتها على شفتيها النديتين
يعزف الحنين
على أوتار مكامن الشوق
ويسقي الثغر
كؤوس الصفاء مترعةً
في أحضان السمر والشجون الحالمة
وأشرقت العيون بنظرتها
وتمرّدت على الصمت
ورحل النوم وظلّ الوجدان
على بساط الهوى منتشيًا
هناك
شُيّدت أسطورة عشق جديدة
في مدينة
شَيَّد فيها العشق أجمل أساطيره
وراقص الحظ جمال الأمنيات
ولاطف الأيام بالورود اليافعة
وبنى للحب
وكرًا من همسات الاشتياق
وعقد العهد
بذمته تحت لواء المودة
فأنجبت العزيمة أجمل قصة
في زمنٍ كاد اليأس فيه
أن يكون قدرًا
في لحظة شوق مدهشة
وَشَمَ اللقاء معالم سحره
في قلب المدينة
ولا تزال حدائقها شاهدةً على الشجون
تروي حكاياتها
التي تضاهي حكايات سلاطينها
وتتحدث عن شروقها
في كل صباح
فوق قصورها الفارهة
شيدها هوى في آخر العمر
حين كانت يائسة
وأحياها إصرار اللقاء بعد وصلٍ
طال موعده
وبأنامل التودّد لاطف في مروره
جسد شوارعها
ومسح دموع الحزن والكآبة
عن عيون مساجدها
وشهد شاهد
في شوارع تلك المدينة
أن العشق حين يصدق حلمه
لا تقهره نوائب الزمن
لكن الأيام كشفت ما خبأت
وتناثرت الأيام في عزّ الغروب
وبكت أوراق مواثيقه
وبقيت المدينة وحدها شاهقة
تحمل في أزقتها سرَّ الحكاية
كأنها تعرف
أن بعض اللقاءات لا تأتي لتُقيم
بل تأتي لتترك في القلب سر لهفة
وعمرًا كاملًا من الأسئلة.