فكِّي طلاسمَ الصمتِ يا سيِّدتي،
فما عدتُ أدري
أأنتِ الحقيقةُ حين تلوحُ،
أم الوهمُ حين يُجيدُ ارتداءَ السراب؟
فكِّي طلاسمَ الصمت يا سيدتي
إني موغل في هذا العشق
حين أسئلتي في دمي
تساير وهج هذا السؤال
تُشبهُ سربًا من المرايا،
كلّما حدّقتُ في وجهٍ
أعوج إلى وجهي الآخرْ.
فكي طلاسم الصمت يا سيدتي
وامنحيني ما تيسّر من غيابكِ،
فربّ حضورٍ كثيفٍ
يُضيّعُ سرَّ المسافةِ بين الرؤى،
وربّ غيابٍ قليلٍ
يُقيمُ المعاني على عرشِها المستترْ.
فكي طلاسم الصمت يا سيدتي
أنا لا أريدُ من العشقِ
ما يطلبه العاشقونَ عادةً،
لا مواعيد تحت شرفةِ ذاك القمرٍ،
ولا وعدًا مؤجّلًا للندى،
إنّما أبتغي أن أفهمَ
كيف يصيرُ الحنينُ
شكلًا من أشكالِ الغواية.
وكيف يُعيدُ القلبُ صياغةَ أحلامه
حين يمسه الضر بين مجازات صبره
كلّما مرّتْ عليهِ يدٌ من الضوءِ
يعود إلى سدرة الاحتمال.
فكِّي طلاسمَ الصمتِ يا سيِّدتي،
فلعلَّ الكلامَ ليس نقيضَ الصمتِ، عندي
بل وجهُهُ الآخرُ حين يضجرُ من التخفّي.
أرأيتِ يا سيدتي،
كلُّ الطلاسم وجهة أخرى للسؤال
ينقصُهُا شيءٌ من المعنى،
حتى تنساب من وحي القصيد
فكلُّ ما نسكتُ عنهُ
يفيضُ بمعنىً لا يُقالْ.
لهذا أخافُ عليكِ
من اكتمالِ الوضوحِ،
فالأشياءُ حين يعتريها نصب التخفي
تفقدُ بعضَ سحرِها،
وكان الجواب مقبرةُ السؤالْ.
دعيني إذن
على حافّةِ التأويلِ،
إذا ما فككت طلاسم هذا السؤال
فلعل عاشقًا يملكُ وردتَهُ،
أو ناسكًا يملكُ يقينَهُ،
أو عابرًا بين شكّينِ جميلينْ
يفتحان شهية الكلام
عند أول اللقاء.
وعلِّميني
كيف يكونُ الهوى
طريقًا إلى الذاتِ يا سيدتي
حين يتعرى المعنى بمحراب السؤال.
وكيف تُصبحُ المرأةُ
مرآةً ترى فيها بوادر الانطلاق
نحو تلابيب المحال.
أنا منذ عرفتكِ
لم أقتربْ منكِ فقط، يا سيدتي
بل ابتعدتُ عنّي قليلًا، وعن ذاتي
ثم عدتُ إليّ بهيئةٍ أخرى
كما تشتهي أي امرأة .
كأنّكِ لم تكوني امرأةً،
بل سؤالًا ألقى بنفسهِ في ماءِ الروحِ،
فامتدّتْ دوائرُهُ العصماء
إلى ما لا نهايةْ.
فكِّي طلاسمَ الصمتِ يا سيِّدتي،
أو اتركيها كما هيْ،
فلعلّي تعلّمتُ أخيرًا
أنّ بعضَ الأبوابِ
خُلقتْ بكل هذا الغموض.
وأنّ أجملَ ما في الحلمِ
ألا يكتملْ.
وأنّ العاشقَ
ليس مَن يصلُ،
بل مَن يظلُّ
يمشي نحو المعنى،
وكلّما ظنّ أنّه أدركهُ،
اكتشفَ أنّ الطريق هو المعنى.








