mardi 29 septembre 2026

أثر وشوق... // حسين المغربي // المغرب

 

كأنّي أنثر بقاياي حيث مررت،
و ألم أحزاني المبعثرة..
عكّاز طريقي..
أتنفّس بقيّة من عطر أمّي،
أثر خطواتها حيث مرّت،
و صدى صوت أبي يرنّ في أذني..
أعانق ريح الشرق حين تأتي،
تحمل رائحة المطر،
و ظلّ نخلةٍ شامخة،
أثر من مسقط رأسي..
آه، أنا ما نسيت،
شغبي و شغفي،
و مراتع لهوي..
و لا طفولتي..
أعانق ذاك الطفل في داخلي..
لا زال هناك حيث تركته..
يبتسم في بلاهة،
يحلم في دهشةٍ،
و يلوك صمتي..
.
كل المسارات تعرفني،
من آثاري،
من لغوي،
من طيشي،
و من ابتسامات خبّأتها في جيبي.
و من حلمٍ يتجدّد مع إطلالة كل فجر،
لطائرٍ يفرد جناحيه للريح،
و يحلق من جديد..
.
اسألوا تلك الدروب..
حيث عبرت ذات يوم..
لا زالت تحمل شوقي،
و رجائي،
و بقية مني..
و كأني أجمع بقاياي من الطرقات..
ألملم ضحكات سقطت سهواً مني..
صك أمان..
أخبئها في صدري..
أسير و خلفي ظلي يمشي..
يحمل ما لا أطيق عني..
ينثر للريح أسماءنا القديمة..
و يهمس للجدران: كنا هنا..
أسقي ذاكرتي ببعض الشوق..
فتنبت في قلبي قصيدة..
تحاكي طفلاً لم يكبر بعد..
و تبث رسائل حنين..
لأولئك من رحلوا..
و كأنّي أنثر بقاياي حيث مررت..
حتى إذا ضعت يوما..
دلّت دروبي عني..








لا صباح الخير أيها الحزن... // خديجة أجانا // المغرب

 

لا صباح الخير أيها الحزن..

أنتِ المطعونة في الخاصرة، تضغطين على جرحك.. تتوسّطين قامتين فارهتين، قامتيْ الحزن والألم.. يحاصرك الألمُ ويأخذ كتفَك الحزن.. كلاهما يودّ مراقصتَك ، رقصةَ الطائر المذبوح..

"لا تحسبوا رقصي بينكم طربا

الطير يرقص مذبوحا من الألم..."

وتودّين أداءَ رقصة أخيرة ، مخالفة على أنغام أغنية إديث بياف " Non je ne regrette rien" أو على أنغام أغنية جاك بريل"Ne me quitte pas "

وأخذَ سيلفي أخير،  يوثّق ابتسامةً ماتت، من وطأة الألم، على شفتيك الشاحبتين.. ودمعةً حرّى،  اندلقت مغالبةً كبرياءك.. تتوّجين، بعدها، هامتَك بإكليل من الشوك.. تجرجرين أشلاءَك.. أوزارَك.. خيباتِك.. تقتحمين وحدتك، دونما طمع في قيامة، العقبةَ الكأداء...

لا صباح الخير أيها الحزن..

ردّديها كلازمة تدفع عنكِ وحشةَ الوحدة والطريق..

لا صباح الخير أيها الحزن..






 

lundi 28 septembre 2026

قراءة في قصيدة الشاعر محمد الحمدوشي // حميد بركي // المغرب

 

اللئام
وكنت أظن
أن اللئام
أشباح في الظلام
وكم توهمت
أن ليس لي قصعة
يتحلق حولها اللئام
لكن الأيام
أزاحت الظلام والأوهام
واكتشفت أنني
أنا القصعة والطعام
واكتشفت أني
أعرف اللئام
تمام التمام
وأنهم يجيدون
المكر والغدر
كما يجيدون
النفاق والإبتسام.
«اللئام» تقوم في جوهرها على مجاز مركزي واضح، هو تحويل صورة اجتماعية وأخلاقية مجردة إلى مشهد حسيّ قائم على القصعة والطعام والالتفاف حولهما، وهو المجاز هو الذي يمنح النص وحدته وقوته، إذ لا تتحدث عن اللئام بوصفهم أشخاصًا فحسب، فهو الكشف عن سلوكهم من خلال صورة محسوسة تتطور أمام القارئ.
في البداية تقول:
وكنت أظن
أن اللئام
أشباح في الظلام
يبدأ من لفظ «أشباح»؛ فاللئام ليسوا أشباحًا بالمعنى الحقيقي، فهو قد شبه حضورهم الغامض والمستتر بحضور الأشباح، وفي لفظ «الظلام» مجاز آخر؛ فالظلام أصبح رمزًا للجهل بحقيقة الناس، وللأمور التي لا تظهر على حقيقتها وكأنه يرى اللئام موجودين، ولكنه لم يكن يستطيع أن يميز وجوههم أو يكشف حقيقتهم.
ثم تأتي الصورة الأهم:
وكم توهمت
أن ليس لي قصعة
يتحلق حولها اللئام
فالـ**«قصعة»** استعارة عن المنفعة والمصلحة والعطاء الذي يجعل أصحاب الأطماع يلتفون حول الإنسان، وهي شيء مادي، لكنه جعلها رمزًا لما عند الإنسان من قيمة أو مال أو مكانة أو قدرة على العطاء.
والفعل «يتحلق» يزيد الصورة تجسيدًا؛ فنحن نرى جماعة تجلس حول قصعة واحدة، وكل واحد منها ينتظر نصيبه، وبذلك انتقلت القصيدة من الحديث عن صفة أخلاقية مجردة، هي اللؤم، إلى مشهد بصري يمكن للقارئ أن يراه.
ثم تأتي نقطة التحول الكبرى:
لكن الأيام
أزاحت الظلام والأوهام
الأيام هنا شُخِّصت، أي مُنحت قدرة الإنسان الذي يستطيع أن يزيح ويكشف، فهي تزيح ظلام الوهم، وهذه صورة موفقة لأن التجربة والزمن هما اللذان يكشفان عادةً ما تخفيه الوجوه.
ثم تبلغ القصيدة ذروة المجاز:
واكتشفت أنني
أنا القصعة والطعام
هذه أقوى صورة في النص كله.
لا يقول إن له قصعةً وطعامًا، فهو يقول: «أنا القصعة والطعام». حيث تتحول ذات الشاعر نفسها إلى مائدة يأكل منها اللئام. فالقصعة ترمز إلى ما يجتمع عليه أصحاب المصلحة، والطعام يرمز إلى ما يستفيدون منه في الشاعر أو منه؛ وقد يكون المقصود عطاءه، أو مكانته، أو ثقته، أو طيبته، أو ما يملكه من قيمة تجعل الآخرين يقتربون منه.
وفي هذه الصورة مفارقة قوية: كان يظن أن له قصعة يتحلق حولها اللئام، ثم اكتشفت أن القصعة نفسها هو، والطعام هو أيضًا، أي أنه أصبح في نظرهم مصدر المنفعة ذاتها.
ثم تقول:
واكتشفت أني
أعرف اللئام
تمام التمام
وتنتقل القصيدة من اكتشاف الآخرين إلى اكتشاف الذات؛ فالتجربة علمته أن يعرف طرائقهم.
وتأتي الخاتمة:
وأنهم يجيدون
المكر والغدر
كما يجيدون
النفاق والابتسام
المفارقة جميلة بين «النفاق» و«الابتسام» فالابتسام في ذاته فعل جميل، لكنه وضعه إلى جانب النفاق، فأصبح الابتسام في هذا السياق قناعًا اجتماعيًا قد يخفي وراءه المكر والغدر. وليس المقصود ذم الابتسام، فقد كشف الابتسامة التي لا تطابق ما في القلب.
واللافت في القصيدة أنه بنى المجاز على حركة من الظلام إلى الكشف، ومن الوهم إلى الحقيقة، ومن الأشباح إلى الوجوه، ومن القصعة إلى الطعام، وهذا يجعل النص أشبه بحكاية قصيرة مكثفة: الشاعر كان يظن أن اللئام بعيدون عنه، ثم جاءت الأيام فكشفت له أنهم حوله، ثم اكتشف المفاجأة الكبرى: أنه هو نفسه موضع أطماعهم ومصدر ما يريدون.
ومن الناحية الفنية، فإن أجمل ما في القصيدة هو المجاز المركب؛ لأنه لم يستخدم استعارة منفردة ثم تنتقل إلى أخرى بلا علاقة، فقد جعلها تتساند: الظلام، الأشباح، القصعة، الطعام، التحلق، الأكل، المكر، القناع الاجتماعي، وكلها تصب في معنى واحد هو انكشاف حقيقة العلاقات القائمة على المصلحة، وهو أشبه بالردف الصوري، و لذلك قدم اللئيم في صورة شخص يعلن لؤمه، و قدمه في صورة أكثر واقعية: إنسان يقترب، يبتسم، يتحلق، ويبدو كأنه صاحب مودة، ثم تكشف الأيام أن وراء ذلك غرضًا.
وأرى أن عبارة «أنا القصعة والطعام» هي مركز القصيدة الدلالي؛ لأنها تختصر تجربة كاملة في أربع كلمات، وفيها سخرية مريرة من الذات ومن الآخرين في آن واحد، فهو يكشف أيضًا أنه لم يكن منتبهًا إلى موقعه في هذه العلاقة إلا بعد أن كشفت له التجربة حقيقتها.
ولهذا يمكن قراءة «اللئام» بوصفها قصيدة عن انكشاف الإنسان للإنسان، لا عن اللؤم وحده؛ فالظلام فيها هو ظلام المعرفة، والأشباح هي الوجوه غير المكشوفة، والقصعة هي المنفعة، والطعام هو الإنسان حين يتحول عطاؤه أو مكانته إلى غاية للآخرين، والأيام هي التي ترفع الحجاب عن الحقيقة.







خيوطي الرتيبة جدا // محمد محجوبي // الجزائر


تتشعب بي الصباحات
أحلام ثملت بأقفاصها
أشعار يلوكها ظلي الهارب
بحثت عن متكإ الضوء
فلم أجد غير فاكهة صقيع
تجاهلها حمام مهووس بلهفة الغيوم
مني إلي ،، تتصلب فصول الخيوط
أبهة الحزن
تخضع ناي الخريف
على حفيف الأوراق
تجف سنابل موالي المدلل
كنت عصفور قمر أمير
ما قبل عاصفة
فيما يشبه عنقود حلم
يحرس نسيمي
ويوزعني على براعم الليل
أشعار يضخها أرق التشهي
خيوطي على كؤوس رتابات
على امتداد يجفل بأثقالي
من جنوح المساءات
حتى غيوم الصباحات
أتوخى فراغات وجهي
أن تمطر منها أشعار السهو
التي تسكن أعشاش الريح
لكي أقتص من بستان حنيني
لعبة النسيان .






تباشير هطول // أمينة نزار // المغرب


وأنا على حافة الوسن
رأيت فيما يرى الحالم
أني عشقت روحا ملهمة
هلامية الملامح
شفيفة التفاصيل ...
فكرة تعبر في صمت
تترفع عن الضجيج
لكنها تغوص في العمق..
وبين حلم ويقظة
اعتراني الذهول.
أمام مرآة الذات...
وقفت أتأمل قصيدة
تصاغ بأناقة اللفظ
وبهاء المعنى...
شريط عمر...
تجاعيد قلب ...
وروحا أتعبها الحلم...
والعينان غيمتان مثقلتان
على وشك الهطول.
أتساءل
هل للشغف أن يكون أثيريا
مجردا من النظرة والهمسة ..
دون نفحات تجل
أو شطحات تماه وحلول.
وذاك الدبيب الموجع
ماذا أسميه؟
أفخ للحنين هو
يستدرجني للعود،
للتورط من جديد
متوهج دوما
يأبى الأفول .
مذ بلغ القلب حلمه
والفكرة رشدها
ضج الفكر بكيف ولماذا؟
وتناسلت الأسئلة
وبين الحيرة والتيه
مسافات ضوئية...
واليقين يأبى الوصول.
وحده البحر يفسر حلمي
برذاذ ينعشني
بدفء يحتويني
بشساعته يستوعبني
وبحكمته يعلمني
رجاحة المعنى
وبلاغة القول.
تتبخر الحيرة ،
تتصاعد الفكرة
تتكاثف ...
و"تساقط رطبا جنيا"
في كل الفصول.







لحظة من عمر // مختار سعيدي // الجزائر

 

في مثل هذه اللحظة
غَرَّدت عصافير سفري
وتحرّر الحلم من أقفاصه
وركب صهوة الحنين.
كان القلب يحترق
كسجارة بين أنامل مدمن
يسابق الريح ويتحدّى عناد الزمن
ويرسم في سماء عشقي
آيات الخلود
وينثر في أرض العاشقين إلياذة اللقاء
في ليل ساهر
والمدينة هاجعة تحت جناح الصمت
حطّ جنوني الرحال على وسادتها
فيا لها من مدينة
تخضّبت شوارعها بجمال أنوارها
وتزيّنت بفتنة انتظارها

كانت الحبيبة مائجةً تنتظر بشغف
وكنت كالموج رجراجًا مضطربًا
أتقاذف بين مدٍّ وجزر
تصفعني الحيرة مرة
وتحتويني مرة أخرى
تائهةً على امتداد شاطئ لا آخر له،
كانت هي تسعى حافيةً
بين مقامات الظنون
وتصنع الحسرة من مشاهد الدمع
مرايا بائسة
تحت جناح الحيرة كانت تبكي مرارتها
وبوادر الخيبة تلوح من بعيد
في وكر اللقاء
خيّمت ظلال اليأس على أفق الانتظار
وسأل الصمت نفسه
هل صمد القلب؟ أم أن الحبيب
من فرط الوهن ضاع في متاهات الزمن؟
وامتد الزمن بسطوته
يحُوك من خيوط القهر ثوبًا طويلًا لوجعها
وطال الليل
حتى بدا السواد فيه كأنه ليلٌ بلا فجر
راحت تعاتب القدر الذي بدّد الحلم بتأويلاته
وأغرقت أمنياتها في دمع العتاب
حتى أثقلتها الحسرة
أنهكها الجري
بين أبواب الرجاء المتتالية
وسقط الورد على أرض غربتها يحتضر
حتى رنّ في السمع وعد اللقاء
مثل أمنيةٍ استيقظت فجأةً
من نومها الطويل
وطلّ مركب الرجاء من أقصى الأفق
مترجّلًا من تعب الانتظار
حاملًا على شراعه بشارة الوصول
كم كانت الفرحة بعيدةً كمسافة الوصل
وكم كان الزمن عنيدًا في تراخيه
بطيئًا
كأنه يتعمّد تأجيل الفرح!
ارتبك دمع الأمل وامتزج ببسمتها
وسقى الأمل من جديد
فأزهرت مواعيده وأشرقت شمس اللقاء
دافئةً في غرفتها
فامتزج العناق بشهقات الشوق الحالمة
وآوى الدفء إلى عمق الرجاء
يلتمس من زينة اللحظات
ما طاب من فرحها
تنافست النفس على موائد الحب
وتدافعت إلى مناهل العشق دون تردد
واعتصرت الروح شهد التودّد
ضمّها برفق الحنو إلى صدره كطفلة
وبدأ الحلم يرسم من لمسته
متعةً لا تشبه سواها
وكان الشوق يروي على صدرها
حكاياته الآسرة
والرغبة كفراشة ربيع
تراقص لهفتها على شفتيها النديتين
يعزف الحنين
على أوتار مكامن الشوق
ويسقي الثغر
كؤوس الصفاء مترعةً
في أحضان السمر والشجون الحالمة
وأشرقت العيون بنظرتها
وتمرّدت على الصمت
ورحل النوم وظلّ الوجدان
على بساط الهوى منتشيًا
هناك
شُيّدت أسطورة عشق جديدة
في مدينة
شَيَّد فيها العشق أجمل أساطيره
وراقص الحظ جمال الأمنيات
ولاطف الأيام بالورود اليافعة
وبنى للحب
وكرًا من همسات الاشتياق
وعقد العهد
بذمته تحت لواء المودة
فأنجبت العزيمة أجمل قصة
في زمنٍ كاد اليأس فيه
أن يكون قدرًا
في لحظة شوق مدهشة
وَشَمَ اللقاء معالم سحره
في قلب المدينة
ولا تزال حدائقها شاهدةً على الشجون
تروي حكاياتها
التي تضاهي حكايات سلاطينها
وتتحدث عن شروقها
في كل صباح
فوق قصورها الفارهة
شيدها هوى في آخر العمر
حين كانت يائسة
وأحياها إصرار اللقاء بعد وصلٍ
طال موعده
وبأنامل التودّد لاطف في مروره
جسد شوارعها
ومسح دموع الحزن والكآبة
عن عيون مساجدها
وشهد شاهد
في شوارع تلك المدينة
أن العشق حين يصدق حلمه
لا تقهره نوائب الزمن
لكن الأيام كشفت ما خبأت
وتناثرت الأيام في عزّ الغروب
وبكت أوراق مواثيقه
وبقيت المدينة وحدها شاهقة
تحمل في أزقتها سرَّ الحكاية
كأنها تعرف
أن بعض اللقاءات لا تأتي لتُقيم
بل تأتي لتترك في القلب سر لهفة
وعمرًا كاملًا من الأسئلة.




مائتا درهم (قصة قصيرة) // محمد بوعمران // المغرب


كم كان وقع المفاجأة قويًا حين رأيته يجلس على الطاولة نفسها، وفي المكان نفسه بالمقهى، وكأنه ينتظرني كما كان يفعل منذ سنوات. يأخذني الحنين إلى هذا المكان فأزوره بين الفينة والأخرى، أرتشف قهوتي وأسبح بذاكرتي في الماضي، أتذكر الأحداث والأشخاص. كان هذا الشخص من الأصدقاء الذين قضيت معهم أوقاتًا في هذه المقهى.
لم أكن أتوقع أن الزمان سيجود بهذه الفرصة. كان اللقاء صدفة. اقتربت منه، حييته وأنا أذكر اسمه، فرفع رأسه عن هاتفه، وكان العناق، والسؤال عن الأحوال، والتعبير عن الدهشة والفرح باللقاء.
بدا صديقي وقد اكتسب وزنًا ملحوظًا؛ برزت البطن وامتلأ الوجه لحمًا، واحمرت الوجنتان. كانت آثار النعمة بادية عليه؛ تحيط بعنقه سلسلة ذهبية سميكة، وتتألّق على معصم يده اليسرى ساعة ثمينة، وتفوح منه رائحة عطر نفاذة. وضع على الطاولة مفاتيح السيارة بجانب هاتف محمول عريض.
كان حديثنا عن الماضي قليلًا، وكان التغيير الكبير الذي رأيته على صديقي القديم مثيرًا لفضولي. ولأني علمت من بعض الأصدقاء أنه هاجر إلى بلد أوروبي منذ سنوات خلت، سألته:
_ يبدو أن هجرتك كانت ناجحة... أليس كذلك؟
ابتسم ابتسامة عريضة وقال:
_ فعلًا... لكن كانت البداية مفاجئة ومدهشة، مثل هذا اللقاء بالضبط...
لم أعقّب ولم أسأل، فلا شك أن صديقي فهم قصدي من السؤال، كما أني عهدته من عشاق المغامرات، وساردًا يتقن فن الحكي.
واصل حديثه وقال:
بعد حصولي على شهادة البكالوريا، امتهنت التدريس، وكنت أقضي بين سنة وأخرى عطلة آخر السنة الدراسية في بلد أوروبي، أرتاد المقاهي، وأطالع الكتب والمجلات، وأتفسح في الشوارع. ولم تكن عندي نية البقاء والإقامة هناك، حتى جاء ذلك اليوم.
كنت جالسًا في مقهى مرموق، يرتاده علية القوم من محامين ومديري شركات ومقاولين وغيرهم، أرتشف قهوتي وبيدي كتاب أطالعه. كان يجلس قريبًا مني شخص، كلما التفت نحوه وجدته يدقق في النظر إليّ، وفي لحظة اقترب مني وفاجأني بسؤال أربكني. سألني:
_ هل ترغب في العمل معي؟
ودون أن يترك لي فرصة للجواب أضاف:
_ أن تعمل مسيرًا للشركة...
لا أدري كيف فكرت وقررت بسرعة الاستجابة لعرضه. صافحني وشكرني على القبول.
عدت إلى غرفتي بالفندق وأنا أتساءل: كيف أقبل هذا المنصب؟ ولماذا اختارني؟ وما هو العمل الذي سأقوم به؟ لم أنم تلك الليلة، وفي صباح اليوم الموالي رافقني إلى الشركة. كنت في كامل أناقتي، محافظًا على هدوئي. كنت أحيي الذين استقبلوني بابتسامة دون أن أفوه بكلمة. قدمني للموظفين والعمال، وحين جاء دوري في الحديث، وقفت ولخصت خطابي في كلمات قليلة حتى لا ينكشف ارتباكي، بل ضعفي في لغة هذا البلد:
«لنبدأ العمل بجد، هدفنا نجاح الشركة... وشكرًا لكم.»
فارتجت القاعة بالتصفيق...
عدت إلى غرفتي بالفندق وأنا أبحث عن حل للورطة التي وضعت فيها نفسي. فكرت واهتديت إلى حل يمكن أن يساعدني في مزاولة هذا العمل الذي لا أفقه فيه شيئًا. هاتفت صديقًا لي في الحي يعمل مديرًا لمقاولة صغيرة، حكيت له ما وقع. شجعني وقال إن الأمر ليس صعبًا. فكان يرشدني، أطلعه على سير العمل، فيصحح لي وينبهني، وحققت الشركة نجاحًا ملحوظًا.
لكنني تعبت واكتفيت بما حصلت عليه من أموال من هذا العمل، ولما قدمت استقالتي رُفضت، وأغروني براتب أعلى. وأنا الآن في البلد أقضي عطلتي السنوية، فقررت اليوم زيارة هذه المقهى للذكرى...
كان صديقي يحكي بحماس، ويمر على بعض التفاصيل مر الكرام، مما جعلني أعتقد أنها قصة من وحي خياله، وأن ما يظهر عليه من نعمة وغنى من مصدر آخر.
نهض ليودعني، أدخل يده في جيبه، ثم في الجيب الآخر، فأخرجته من الحرج، وأديت ثمن القهوتين وكأس العصير الذي شربه قبل قدومي.
وحين تصافحنا، فاجأني طالبًا أن أقرضه مئتي درهم. لسوء حظه، أو لحسن نيتي، لم تكن معي في تلك اللحظة.
عدت إلى المنزل ورأسي تغزوه الأسئلة...






samedi 26 septembre 2026

على ضفة الحلم ..// علي الزاهر // المغرب

 

تعتريني على ضفّة الحلم
أغنيتي،
فأنسج الصمت من وقعها
دمعةً... دمعة،
يتدفق من لحنها الغجري
حزن عتيق.
تعتريني على سطوة السهو
جمرةُ عشقٍ،
أتتني وميضًا
من الذكرياتْ،
كأنّ المدى كان يخفي خطايَ
وراء المرايا،
ويترك في القلب
ظلَّ الحكايات التي عبرت أفقي.
وأنسج الحلم من غبش الأمنياتِ،
وحيدًا... أطارد في الريح
وجهًا توارى،
وصوتًا تكسّر بين جهات المعنى المتاح.
وحيدًا، أسابق ظلّي،
وأجمع من الليل
ما بعثرته يدُ الوقت
فوق رصيف الذكرياتْ،
وأصغي إلى نبض قلبي
وهو يفتّش بين رماد السنين،
عن خطوةٍ لم تتمّ،
وعن موعدٍ لم يجئ،
وعن أغنيةٍ، أضاعتها الريح
في آخر المسافات الطويلة.
وكلما مرّ طيفٌ
من الأمس في خاطري،
أشعلتُ في داخلي
قنديلَ حرفٍ، وأغلقتُ بابي
على ما تبقّى من الأمنيات الرتيبة.
أقول للغيم: خذني إليك،
فما عاد في الأرض، متّسعٌ للحنين،
ولا في يدي، تدلني رؤياها إلي
غير وهج هذا القصيد، أضمّد به
جرحَ السنين العقيمة.
أقول للوقت: تمهّل قليلًا،
وامنح لي فرصة، حتى أرى حزني
فإنّي تركتُ على دربه، بعضَ عمري،
وبعضَ خطايَ، وبعضَ الذين أحببتُهم
وهم يمضون دوني إلى آخر الحكايا الحزينة.
وحده الشعر يجتاحني،
كلما اتقدت في الغياب
قصائدُ، حبلى بهذا الأنين ولفح الغياب.
وحده الشعر يعرف، كيف يعيد الغائبين
إلى مقعد القلب، كيف يوقظ في الرمل
نبضَ خطاهم، وكيف يرمّم
ما هدّه العابرون من أثر الوفاء.
وحده الشعر، حين تضيق بي الأرض
يفتح نافذةً للسماء،
ويمنح لي من رماد الخسارات
ماءً، ومن وجع الذكريات
قصيدة جائعة.
فأمضي... ولا شيء غير القصيدة
يرافق خطوي، ولا شيء غير الحروف
يعيد إلى الروح ما غاب عنها
وما احتملت من عذاب.
أمضي، وفي داخلي ألفُ لحنٍ
وألفُ سؤال، وفي كل دربٍ
بقايا حكاية، وفي كل صمتٍ
صدىً لا ينام من الأمنيات.
وإذا ما أطلّ المساء على نافذتي،
أترك القلب وحده
يستعيد الذين مضوا،
ثم أكتب... أكتب حتى يخفّ
ثقلُ الغياب، وحتى يصير الأنين
على الورق نوعًا من الانعتاق.
تعتريني على ضفّة الحلم
أغنيتي، وأعود إليها
كلما ضلّ بي، موعدُ القلب،
وكلما أرهقني طولُ الطريقْ.
فما بين حلمٍ توارى،
وذكرى، تضيء ثم تنطفئ،
أظلّ أنا... أفتّش في الليل
عن قصيدةٍ تليق بهذا الغياب،
وتحمل عنّي ما عجز القلب
عن قولهِ منذ ألفِ حريق.