lundi 29 juin 2026

اللغة العربية لغة العلوم كما هي لغة الآداب // حميد بركي // المغرب

 

اللغة العربية من أعرق لغات العالم وأكثرها ثراءً ومرونةً، وقد ارتبطت في أذهان الناس بالأدب والشعر والخطابة والبلاغة، لما تتميز به من جمال في التعبير ودقة في التصوير وقوة في البيان، غير أنها لم تكن يومًا لغة الأدب وحده، فهي للعلم والمعرفة والحضارة، فقد استطاعت عبر قرون طويلة أن تؤدي دورًا رياديًا في نقل العلوم وتطويرها ونشرها بين الشعوب.
لقد شهدت الحضارة العربية الإسلامية نهضة علمية كبرى جعلت من اللغة العربية لغةً عالمية للعلوم، ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعيش فترات من الركود العلمي، ازدهرت مراكز العلم في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، وأصبحت العربية لغة البحث والتأليف والتعليم، فدُوِّنت بها الكتب في الطب والصيدلة والفلك والرياضيات والهندسة والكيمياء والجغرافيا والفلسفة، وأقبل العلماء من مختلف الأجناس على تعلمها للاستفادة من كنوز المعرفة المكتوبة بها.
ولم يقتصر دورها على ترجمة العلوم القديمة من الحضارات اليونانية والفارسية والهندية، فقد تجاوز ذلك إلى الإبداع والإضافة والتطوير، فقد قدّم العلماء العرب والمسلمون إنجازات علمية عظيمة، وسجلوا اكتشافاتهم باللغة العربية، مما جعلها لغةً حيةً للبحث العلمي، ومن خلال هذه المؤلفات انتقلت المعارف إلى أوروبا، حيث تُرجمت الكتب العربية إلى اللاتينية وأسهمت في قيام النهضة الأوروبية الحديثة،
ومن أهم ما يميزها قدرتها الكبيرة على الاشتقاق والتوليد، وهي خاصية تجعلها قادرة على استيعاب المفاهيم العلمية الجديدة وصياغة المصطلحات المناسبة لها، فالكلمة العربية يمكن أن تُشتق منها كلمات متعددة تؤدي معاني دقيقة ومتنوعة، الأمر الذي يساعد على إثراء المعجم العلمي وتطويره باستمرار، ولهذا استطاعت أن تحافظ على عدد كبير من المصطلحات العلمية وأن تنقلها إلى الأجيال المتعاقبة دون أن تفقد دقتها أو وضوحها،
كما أسهمت في حفظ التراث العلمي الإنساني من الضياع، إذ احتضنت مؤلفات العلماء ودوّنت المعارف في مختلف المجالات، وقد بقيت آلاف المخطوطات العلمية العربية محفوظة في المكتبات العالمية شاهدة على الدور الحضاري الذي أدته هذه اللغة في خدمة العلم والمعرفة. وما زالت بعض المصطلحات ذات الأصل العربي مستخدمة في عدد من اللغات الأجنبية، وهو دليل على التأثير العميق الذي تركته العربية في تاريخ العلوم.
وفي عصرنا الحاضر، لا تزال اللغة العربية تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون لغة علم وتقنية، فهي لغة واسعة المفردات، دقيقة التراكيب، قادرة على استيعاب المستجدات العلمية والتكنولوجية. غير أن تحقيق ذلك يتطلب مزيدًا من الاهتمام بالتعريب، وتشجيع البحث العلمي باللغة العربية، وإعداد المعاجم والمصطلحات الحديثة التي تواكب التطورات المتسارعة في مختلف المجالات.
إن الحفاظ على اللغة العربية والاعتزاز بها يعني يعني الاستفادة من التقدم العلمي العالمي مع المحافظة على الهوية اللغوية والثقافية للأمة، فاللغات الحية هي التي تجمع بين الأصالة والتجديد، والعربية قادرة على ذلك بما تمتلكه من تاريخ عريق وإمكانات كبيرة.
وفي الختام، تبقى اللغة العربية لغة الآداب والعلوم معًا، فقد أبدعت في ميادين الشعر والبلاغة كما أبدعت في ميادين الطب والفلك والرياضيات وسائر العلوم. وقد أسهمت في حفظ المصطلحات العلمية ونقل المعارف بين الأمم، وكانت جسرًا حضاريًا وصل بين الماضي والحاضر. ومن واجبنا اليوم أن نواصل العناية بها وتطويرها حتى تظل لغةً قادرة على مواكبة التقدم وخدمة العلم والإنسانية.







ما عدت شاعرا // علاء سعود الدليمي // العراق

  

ضجيجٌ يملأُ رأسي

شيءٌ ما يأكلُ الفكرةَ

!قبل أنْ تنضجَ أفقدُ رأسَ الخيطِ

غريبٌ أمرُ الحبِّ

ألهذا الحدُ يتمردُ

شعورُ العاشقِ؟

أدغدغُ ساقَ سيجارتي

أراودها عن نفسها

أشدها لفمي

،دونَ خشيةٍ من أحد

وحدهم أصدقاءُ القريةِ

يكتمون سري وأنا أقضمُ شفتيها

،فلا أنفثُ دخانًا بل أتنفسُ شغفًا

ثم أغادرُ قسرًا

بعيدًا عن ثيابِ قصيدتي

تتركني مبعثرًا ضجرًا

بينما تصفقُ لخيبتي

إذ فشلتُ في فكِ أزرّةِ المعنى 

!المكتنز بلذةِ اللغةِ ومتعةِ الجسدِ

سقمٌ أصابَ اليراع 

أو نظرةٌ من حاسدٍ

فأيُّ رُقيةٍ تبرئُ سقمي؟ 

،لا خلوةَ شرعية 

فالقصيدةُ بكرٌ

!والرغبةُ شيطانٌ جامح











dimanche 28 juin 2026

إلى عاشقة الليل ...// أحمد خاليص // المغرب

 

"سأقول لك لماذا يحب الله جمال القلوب ،هذا لأنها مرآة جماله مثلما هي مرآة الوجود "
جلال الدين الرومي
"""""""""""""""""""""""""""""
سأحيل هذه المساءات الحزينة
إلى ليال قمراء
إلى ألحان شبقية شجية
تراقصنا
تمسح خوفي
ترشدني إليك
تقربني منك
لنحتسي الهنيهة
جرعة عشق
ألهمتني قصائد من وحي عينيك
أدثرك بها كلما أرهقك
صقيع الشوق
هأنا أنقب على درر عقلك
و طقوس فكرك
عن الأفراح و الأحزان
في ذاكرة حروفك
و عن الترياق في ورد شفتيك
فامنحيني اللحظة الحالمة
و حبك انتماء
موقعا بقلبك
إلي و إليك
لتكوني وطني
و معبد هوانا .







samedi 27 juin 2026

أتأبط سرابا // فوزية أحمد الفيلالي // المغرب

 

في زمن غير قصير، قُدَّ فستان عشقي من قُبُل، فصرت وصار الشوق بي إلى ما وراء المجهول. راودتني تلك الحمامات الطائشة على التحليق بين سحابات نازحات إلى بلد العم سام، أتأبط السراب وأحدق في عيون حلمي البارد، أسمع خطى الغياب أينما قرعت أبواباً لم تُبنَ بعد.
في علب الرقاد وجدتني رهينة أسيرة، وبقايا غصن زيتون يغازل فسيلتي اليتيمة. صرّحت بممتلكاتي وبعت آخر جوهرة في عقدي الفريد، ثم سألت القديس عن مفتاح غرفة لي على شرفة قلب مجهول. سقطت من جبيني بعض القطرات العالقة تذكّرني بعنوان حارة اللقاء في عيون الأمل، ووقفت على عتبة الصمت أعدّ ما تبقى من أنفاسي، وكتبت على الهواء ما لم تسعه الأوراق، ورحت أفتش في ركام الأيام عن بقية من ضوء.







جعبة الضوء // محمد محجوبي // الجزائر

أخرجت من جعبة الضوء
ألماسة القلب تغلفها عناوين التيه
أخرجت ظلي
من غابات الترحال
أنا وفضاء الاخضرار
نتجاذب خيوط فراشتين بيضاوتين
هي رموزي الروحانية
تمثلني طائرا أخضر
يشم الغربة مداه ، ،
يقيس بأنفاسه غلظة الفصول
على توهج الروح ،، يعاتب صباحه المتعب
الفراشات تقول : أنت الضوء
فاقتفي نهايات الوجوم
الصباح يقول : اقتبس نورك
من آهات الاجترار
ولتكن قصيدتك الخضراء خيمة للأسر
تعالج أشلاء الذكرى
فترشف من عرق الأشواط رحيق الروح دائما
فما تقوله أنت للفراشات :
أأنه حري بك ، ،
أن تغرس في واد الصدى
وردة من بياض واخضرار
تملأ بها عيون السماء
وأن تصير شاعرا يقطف ذاته من غيمة نائمة
ليكون الحرف
كعصفور ضوء
ترنيمه يهز الغابة وكل الأسوار.







vendredi 26 juin 2026

التغيير سنة محمودة // حميد يعقوبي // المغرب

 

جَمِيلٌ أَنْ تُعَاشِرَ النَّاسَ بِمُخْتَلِفِ أَطْيَافِهِمْ وَلَكِنْ، لَا تَهْدِرْ وَقْتَكَ وَمَشَاعِرَكَ الْخَاصَّةَ مَعَ شَخْصٍ لَا يُبَادِلُكَ نَفْسَ الشُّعُورِ..
اِبْتَعِدْ بِهُدُوءٍ وَسَلَامٍ عَسَاكَ تَتْرُكُ أَثَراً طَيِّباً وَرَاءَكَ. سَتَجِدُ هُنَاكَ فِي ضَفَّةٍ أُخْرَى شَخْصاً أَكْثَرَ تَفَهُّماً .. شَخْصاً أَقْرَبَ لِأَحَاسِيسِكَ الْمُرْهَفَةِ.. وَقَلْباً نَبْضُهُ مِنْ نَبْضِكَ..
قَدْ تُصَادِفُ قَلْباً كَانَ يَنْتَظِرُ عَوْدَتَكَ وَقَدْ كُنْتَ لَا تُعِيرُهُ اهْتِمَاماً.. أَوْ قَلْباً مَكْسُوراً يَبْحَثُ عَمَّنْ يُضَمِّدُ كَسْرَهُ وَيَجْبُرُ بِخَاطِرِهِ وَيُشْبِهُك .. أَوْ قَلْباً غَضّاً يَبْحَثُ عَنْ أَوَّلِ تَجْرِبَةٍ لَهُ فِي الْحَيَاةِ..
اِبْتَعِدْ، فَالتَّغْيِيرُ سُنَّةٌ مَحْمُودَةٌ.







تباشير هطول // أمينة نزار // المغرب

 

وأنا على حافة الوسن
رأيت فيما يرى الحالم
أني عشقت روحا ملهمة
هلامية الملامح
شفيفة التفاصيل ...
فكرة تعبر في صمت
تترفع عن الضجيج
لكنها تغوص في العمق..
وبين حلم ويقظة
اعتراني الذهول.
أمام مرآة الذات...
وقفت أتأمل قصيدة
تصاغ بأناقة اللفظ
وبهاء المعنى...
شريط عمر...
تجاعيد قلب ...
وروحا أتعبها الحلم...
والعينان غيمتان مثقلتان
على وشك الهطول.
أتساءل
هل للشغف أن يكون أثيريا
مجردا من النظرة والهمسة ..
دون نفحات تجل
أو شطحات تماه وحلول.
وذاك الدبيب الموجع
ماذا أسميه؟
أفخ للحنين هو
يستدرجني للعود،
للتورط من جديد
متوهج دوما
يأبى الأفول .
مذ بلغ القلب حلمه
والفكرة رشدها
ضج الفكر بكيف ولماذا؟
وتناسلت الأسئلة
وبين الحيرة والتيه
مسافات ضوئية...
واليقين يأبى الوصول.
وحده البحر يفسر حلمي
برذاذ ينعشني
بدفء يحتويني
بشساعته يستوعبني
وبحكمته يعلمني
رجاحة المعنى
وبلاغة القول.
تتبخر الحيرة ،
تتصاعد الفكرة
تتكاثف ...
و"تساقط رطبا جنيا"
في كل الفصول.








jeudi 25 juin 2026

بلاغة النص الخطابي وتجليات البصيرة لدى العميان // ربا رباعي // الأردن

 

مقدمة:لا تُقاس الرؤية في التجربة الإنسانية بحدود الإبصار الحسي وحده، بل تتجاوز ذلك إلى فضاءات الوعي والإدراك والتأمل العميق؛ إذ كثيرًا ما استطاع فاقدو البصر أن يؤسسوا لأنماط خطابية عالية الكثافة الدلالية والبلاغية، انبثقت من طاقة البصيرة لا من سلطة العين. ومن هنا تتبدى العلاقة العضوية بين العمى بوصفه فقدًا حسيًا، والبصيرة بوصفها تعويضًا معرفيًا وروحيًا وجماليًا، الأمر الذي أفرز نصوصًا خطابية تمتلك قدرة استثنائية على النفاذ إلى أعماق اللغة وإعادة تشكيل العالم عبر الحس الداخلي

لقد شكّل العميان في الثقافة العربية ظاهرة معرفية وأدبية لافتة؛ فبرز منهم الشعراء والخطباء والنقاد والفلاسفة، بدءًا من بشار بن برد، وأبي العلاء المعري، وصولًا إلى طه حسين، الذين استطاعوا أن يحولوا العجز الحسي إلى فائض بلاغي ورؤيوي. ولم يكن خطابهم مجرد تعبير لغوي، بل ممارسة تأويلية للعالم، تستند إلى طاقة التخيل والتكثيف والإيقاع الداخلي

إن النص الخطابي لدى الأعمى لا يتحرك ضمن البنية التقليدية للخطاب، بل يعيد إنتاج اللغة عبر حساسية مختلفة، تتكئ على السمع والحدس والتخييل، مما يمنحه خصوصية أسلوبية وبلاغية تستحق الدراسة والتحليل. ومن هنا تنبع أهمية هذه الدراسة التي تسعى إلى الكشف عن الأبعاد البلاغية والأسلوبية في خطاب العميان، وتحليل كيفية تشكل البصيرة داخل البنية اللغوية والنسق الدلالي

أولًا: البصيرة بوصفها تعويضًا معرفيًا وجماليًا

يذهب النقد الحديث إلى أن فقدان الحاسة لا يؤدي بالضرورة إلى انطفاء الإدراك، بل ربما يدفع الذات إلى تعويض النقص عبر تنشيط الحواس الأخرى وإعادة تشكيل العالم داخليًا. وفي هذا السياق، يتحول العمى إلى محفز للرؤية الباطنية، وتغدو اللغة وسيلة لتعويض المرئي بالمُتخيَّل

وقد أشار الجاحظ إلى هذه الظاهرة حين تحدث عن قوة الحفظ والالتقاط عند العميان، مبينًا أن فقدان البصر قد يؤدي إلى مضاعفة القدرة الذهنية والسمعية(1). وهذا ما يفسر الكثافة الإيقاعية والسمعية في خطاباتهم، حيث تتقدم الموسيقى الداخلية والتراكيب المتوازنة على الصورة البصرية المباشرة.

إن البصيرة هنا ليست مفهومًا صوفيًا فحسب، بل بنية معرفية تعيد صياغة العلاقة بين الذات والعالم. فالأعمى لا يرى الأشياء كما تبدو، بل كما تُدرك داخليًا؛ ولذلك تصبح اللغة لديه أكثر عمقًا وتجريدًا وتأملًا

ثانيًا: الخصائص البلاغية للنص الخطابي عند العميان

1. هيمنة الصورة السمعية

تميل النصوص الخطابية لدى العميان إلى بناء صور تعتمد على الإيقاع والجرس والتنغيم أكثر من اعتمادها على الوصف البصري. فالسمع يتحول إلى مركز إدراكي بديل، الأمر الذي يجعل الخطاب غنيًا بالتكرار والتناظر الصوتي والسجع والإيقاع الداخلي

ويظهر ذلك جليًا في خطاب أبي العلاء المعري الذي اعتمد على الموسيقى الفكرية واللغوية أكثر من اعتماده على المشهدية البصرية. ففي قوله:

“وإني وإن كنت الأخير زمانه

لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل”

نلاحظ أن القوة البلاغية لا تكمن في الصورة المرئية، بل في النبرة التحدّية والإيقاع التركيبي المتوازن

2. الكثافة التأملية

تتميز خطابات العميان بعمق فلسفي واضح، نتيجة العلاقة الخاصة التي تربطهم بالعالم الداخلي. فالحرمان البصري كثيرًا ما يدفع الذات إلى التأمل الوجودي والبحث عن المعنى

وقد تجلت هذه النزعة التأملية عند أبي العلاء المعري في “اللزوميات”، حيث تتداخل الحكمة بالسخرية السوداء والرؤية الوجودية القلقة. فاللغة هنا لا تؤدي وظيفة تواصلية فحسب، بل تتحول إلى أداة كشف فلسفي

3. بلاغة التعويض

يعمد الأديب الكفيف إلى تعويض غياب الصورة البصرية عبر توسيع الطاقة المجازية للغة؛ فتكثر الاستعارات والتشابيه المركبة والرموز الذهنية. إن المجاز هنا ليس زينة أسلوبية، بل ضرورة إدراكية

ومن ثم فإن الخطاب يتحول إلى فضاء بديل للرؤية، حيث تقوم اللغة مقام العين، ويغدو الخيال أداة لإعادة إنتاج الواقع

ثالثًا: البعد الأسلوبي في خطاب العميان

يرتبط الأسلوب بطبيعة التجربة النفسية والمعرفية للكاتب، ولذلك يمكن القول إن خصوصية تجربة العمى تنعكس مباشرة على البنية الأسلوبية للنص

1. النزعة الإيقاعية

يميل خطاب العميان إلى التوازن الصوتي والإيقاعي، نتيجة الاعتماد الكبير على الذاكرة السمعية. ولذلك نجد كثافة في التوازي التركيبي والتكرار والتنغيم

2. الاقتصاد اللغوي

غالبًا ما تتسم نصوصهم بالتكثيف والدقة، إذ تُنتقى الكلمات بعناية عالية، ويُختزل الوصف لصالح الإيحاء

3. النزعة التجريدية

تميل اللغة إلى التجريد أكثر من التشخيص الحسي، فتغدو المفاهيم الفكرية والوجدانية أكثر حضورًا من التفاصيل المادية

رابعًا: طه حسين نموذجًا للبصيرة الخطابية

يُعد طه حسين من أبرز النماذج التي جسدت انتصار البصيرة على العمى. فقد استطاع أن يؤسس خطابًا نقديًا وفكريًا يمتلك قدرة هائلة على التحليل والتأويل.

في كتابه “الأيام” تتجلى البلاغة السردية القائمة على استبطان التجربة وتحويل الألم إلى معرفة. فالعمى لم يكن عائقًا أمام الرؤية، بل كان دافعًا إلى إعادة اكتشاف العالم عبر العقل واللغة

وقد اتسم أسلوبه بالوضوح والصرامة المنهجية، إلى جانب الإيقاع الهادئ والقدرة على النفاذ إلى أعماق النفس الإنسانية

خاتمة

تكشف دراسة بلاغة النص الخطابي لدى العميان عن علاقة معقدة بين فقدان البصر وولادة البصيرة. فالعجز الحسي لم يمنع هؤلاء المبدعين من إنتاج خطاب يمتلك قوة جمالية وفكرية عالية، بل ربما كان سببًا في تعميق تجربتهم اللغوية والوجودية

لقد تحولت اللغة عندهم إلى بديل للرؤية، وغدت البلاغة أداة لتعويض الفقد وإعادة تشكيل العالم. ومن هنا فإن دراسة خطاب العميان لا تنتمي إلى حقل البلاغة وحده، بل تتقاطع مع الفلسفة وعلم النفس والأسلوبية والدراسات الثقافية، لأنها تكشف قدرة الإنسان على تحويل النقص إلى طاقة إبداعية خلاقة

***

الهوامش

الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، ج1، ص 76.

أبو العلاء المعري، اللزوميات، دار صادر، بيروت، ص 112.

طه حسين، الأيام، دار المعارف، القاهرة، ج1، ص 54.

صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، دار الشروق، القاهرة، ص 91.

Roland Barthes, Writing Degree Zero, Beacon Press, Boston, p. 43.

Roman Jakobson, Linguistics and Poetics, MIT Press, p. 77.

المراجع العربية

الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت.

أبو العلاء المعري، اللزوميات، دار صادر، بيروت.

طه حسين، الأيام، دار المعارف، القاهرة.

صلاح فضل، علم الأسلوب: مبادئه وإجراءاته، دار الشروق، القاهرة.

عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود شاكر، مكتبة الخانجي.

حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة.

محمد عبد المطلب، البلاغة والأسلوبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

المراجع الأجنبية

Roland Barthes, Writing Degree Zero, Beacon Press.

Roman Jakobson, Linguistics and Poetics, MIT Press.

Paul Ricoeur, The Rule of Metaphor, Routledge.

Mikhail Bakhtin, The Dialogic Imagination, University of Texas Press.

Jonathan Culler, Literary Theory: A Very Short Introduction, Oxford University Press





mercredi 24 juin 2026

ورقة تنويرية حول ديوان الزجالة السعدية الميرون "كَلْمَة ؤُ لَمٌَة " // علال الجعدوني // المغرب

 

الديباجة:
الزجل هو فن عربي أصيل يعتمد على اللغة المحكية ، وهو امتداد للشعر العربي التراثي . ظهر بالأندلس ، وانتقل ليصبح موروثا شفهيا في العالم العربي . وغالبا ما يتحرر من قواعد الإعراب لكن يركز على الإيقاع واللحن والموسيقى ، كما أنه يرتبط بالغناء والإنشاد . بالإضافة أنه أداة للتواصل المجتمعي والثقافي يعكس هموم ومشاعر وعادات الشعوب بصدق وعفوية . أما فلسفته : هي ممارسة فنية حية تستثمر السحرية والتفكيك الرمزي لمناقشة القيم الاجتماعية ، والسياسية والوجودية ، فضلا عن كونه فضاء للتحاور .
وانطلاقا مما سبق نجد نساء زجالات كتبن في هذا الفن بشكل ملفت للنظر ومن بينهن الزجالة السعدية الميرون حيث نحتت ديوانا زجليا سمته (كَلْمَة ؤُلَمٌة .)
دلالة العنوان :
"كما يقال الدار تعرف من عتبتها والكتاب من عنوانه " لقد صيغ العنوان بالعامية ليشد المتلقي في حبائل التشويق . كما أنه مفتاح يختزل توجهات الشاعرة ورؤاها الإبداعية وتحليله يبدو بسيطا لكنه عميق الإيحاء ، يمكن إجمال القول على أن كَلِمَة كَلْمَة هي : اللفظ الموضوع لمعنى مفرد ، وهي عند أهل الحق ما يكنى به عن كل واحدة من الماهيات والأعيان بالكلمة ...
أما الكِلْمَة عند النحاة : هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع ، وتكون : اسم يدل على موصوف ، أو فعل يدل على حالة ، أو حدث أو حرف .
وتأتي في سياقات أخرى منها مثلا : نقول صاحب الكلمة : أي مصدر القرار
له الكلمة الأخيرة : له القول الفصل .
بالإضافة إلى : كلمة السر ....كلمة الشرف ... أعطى له الكلمة ... اجمعت كلمتهم ... الكلمات الأخيرة ... الكلمة العليا ... الكلمة المفتاح ... بكل معنى الكلمة ... كلمة مراوغة ... لا كلمة له ... مسموع الكلمة ... كلمة الافتتاح .. كلمة الختام ... الكلمات المتقاطعة ...
جوامع الكلم : ما يكون لفظه قليلا ومعناه جزيلاً ، كقول الرسول صلى الله عليه وسلم : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات .والتوزيع أكثر يمكن الرجوع إلى المعجم للتبحر في المعنى بشكل دقيق .
أما مفردة لَمَّة تتعدد كلمة اللمة في اللغة بحسب السياق الذي تذكر فيه ، وأبرز معانيها :
الجماعة ، تطلق على العُصبة من الناس من( 3 إلى 10 أفراد) أو الرفاق والأصدقاء ومنها اللمة الإجتماعية كالتئام شمل الأهل وغالبا ما نبحث عن المعنى في سياق معين لتوضيح بشكل أكثر دقة ....
دلالة الغلاف :
الغلاف أنيق دال محفز على القراءة ييسر الفهم تم اختياره بعناية دقيقة ، صورته تنسجم مع العنوان وتلخص دلالات المضمون بعناية فائقة ، إذ تظهر مجموعة من الناس مجتمعة فيما بينها مثل الحالات التي اعتدنا عليها في المواسم والأفراح والفرجة واللمات ....
تيمة الديوان :
هناك ثمانية وثلاثون زجلية مزينة بحروف تفوح بعبق الإبداع النابع من أعماق شاعرة مقتدرة ومؤهلة لكتابة الزجل برؤية فنية حاضرة بقوة في ساحة مستنقع الحياة بكل وداعة ، لقد سرجت زمام المعنى بحرف دال قادر على ابتلاع المسافات ، مغردة في عرصات الخيال بصور جميلة مسافرة بالمتلقي إلى أبعد تخوم في رحلة منفردة حبلى بدلالات متنوعة قوية مثل الدلالات الاجتماعية والدلالات الثقافية المتنوعة والدلالات الدينية والدلالات الإنسانية والدلالات الحكمية ...فالتيمات المدرجة تعالج قضايا خاصة وعامة مستوحاة من صخب الحياة وضجيج اليومي المؤرق .... وأكثر من ذلك لقد حافظت على الطابع التراثي الذي هو نبض المجتمع وما جرى على مر الزمان . أليس الزجل فن تعبيري مسؤول؟ وبوح إنساني خصب، ؟عشق حد الهوس للهجة المغربية والمكتنز بالعمق الحضاري والزاخر بدرر لغوية متشبع بالموروث الثقافي الشفهي ...كل هذه العوامل ساعدت الزجالة السعدية الميرون على صقل نصوصها بأسلوب تصوري زئبقي يحرك لواعج الذات وكوامن النفس العاشقة للإبداع المتميز الذي يخلق نشوة المتابعة والقراءة العميقة ...لكون الزجالة راكمت تجربة تزيد على عدة سنوات ارتوت من خلال ذلك من غدير اللمات الزجلية المغربية بما ساعدها على تطوير وتحديث وارتقاء لغة الزجل الفاعلة ، القادرة على نشر صدى أعمالها بفن زجلي وازن .
البيئة الشعرية :
غالباً ما تساهم ظروف الازدياد والنشأة في تكوين معالم الشخصية كما تلعب البيئة في تكوين نفسية المبدع أو المبدعة ، وهكذا نجد الشاعرة السعدية الميرون تأثرت كثيراً بالظروف الإجتماعية وخاصة مدينة الدار البيضاء التي هي بمثابة نبض الثقافة المتنوعة إنها دويلة مندمجة في الدولة المغربية مما جعل الزجالة تعيش على إيقاع خصب الثقافة ، ساعدها على كسب واقع يتدفق بمشاعر وأحاسيس تعكس واقع الحالات المعاشة بشكل ملفت للنظر مما جعلها تكتب بإحساس يرتبط بالمناخ البيئي بشغاف القلب والفكر ...فلا غرو أن المبدعة تأثرت بطبيعة مدينة الدار البيضاء التي تحمل كل التناقضات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ...وطبيعة تركيبة الحياة والأسر والعادات السائدة والرؤى الفكرية والإيديولوحية ، فكل ذاك جعل الزجالة تكتب بحرقة الكتابة، مترجمة الوضع بجميع أشكاله وألوانه الاجتماعية والثقافية والدينية والانسانية ، كما هناك صرخات مكتومة تحمل صور مدهشة تجسد انفعالات نفسية تؤثر على الحياة الدنيا للإنسان ...فالمتعمق في نصوص الديوان بعمق قد تأخذه مضامينها في سفرعميق الشجن والأسى وما شابه ذلك . ذاك حتما ماجعل الزجالة تتغنى بقصائد تعكس الجانب البيئي والاجتماعي والثقافي بألوان دافئة وملونة حسب المناسبات ... إنها استراحة روحية ، وخلق فني ناغى الأعماق إلى أقصى منافي الجمال ، لا تكف تحمل دلالة الواقع المعيشي بصوت للأعماق...
نعم ديوان مليء بصور إبداعية حالمة استنطقت بتوهج نصوص زجلية عاكسة لأغوار الذات .
الخاتمة :
تعد الزجالة السعدية الميرون أحد أقطاب الفن الزجلي لكون زجلياتها المبصومة في ديوان "كَلْمة ؤُ ولَمٌَة" تشي بالقدرة الإبداعية على ترجمة رؤاها بحروف مخملية رشيقة الظل ساحرة الجرس قوية الأبعاد نابضة بالجمال الفني ،وهاجة قريبة للنفس،تتدفق باللذة الجمالية ..كل من يقرأ لها سيسقط في حبائل الإعجاب .