...شروخ لا تحصى، لكن
من الثابت أن الإنسان يعيش وفق مسار يرسمه بنفسه، بعدما يتيقن أنه لا مفر من مواجهة وحدته؛ وحين تتلاشى الأحلام، لا يجد أمامه قائمة جاهزة تدله على طرق النجاة، بل يصبح مطالبا بفهم مساراته الخاصة، لأن الوجود لا يرحم الأخطاء، ولا سيما حين تتحول إلى عادة تتكرر، ومن هنا، ينبغي أن يبدأ التوجيه من الذات، مع إدراك خصوصيات الآخرين وطبيعة سلوكهم تجاه أسلوب حياته؛ فالناس، في الغالب، لا يرفضون الإنسان لذاته، وإنما يرفضون ما يصطدم بمصالحهم أو يربك توازنهم، لذلك فإن النجاح في السير بين البشر لا يقوم على التنازل عن الذات، بل على إيجاد طريقة للعبور لا تلحق الأذى بالآخرين، ولا تجعل الاصطدام أسلوبا دائما في الحياة
وفي عصر أصبحت فيه النجاة أعجوبة، بعدما تبدلت أساليب الحياة، وحلت الرداءة محل الحكمة والتبصر، واختلطت معايير الريادة بالإقصاء، صار كثير من الناجحين يعيشون في توتر دائم وعدم رضا، بينما يتصدر غير الأكفاء المشهد في كثير من الأحيان، حتى بدا المشهد مناقضا للقيم الإنسانية التي يفترض أن تكافئ الجهد والكفاءة، ولكي تكون متمردا، ينبغي أن تؤدي ثمن تمردك، إذ لا مكان للكرامة من دون مقاومة، ولا سبيل إلى تجاوز الهوان إلا بالشجاعة والصبر
لن أغيب كما تغيب الشمس، لأن الآخر لن ينتظر شروقي، فأنا، بالنسبة إلى العالم، رقم قد تنتهي قيمته بانتهاء المصلحة الشخصية؛ لذلك سأجعل هذا الرقم يمتد في خط مستقيم، قد تكون بدايته متعثرة، لكنه لا يحمل نهاية معلومة؛ رقما متجددا يصلح لكل الأزمنة والأمكنة، يقاوم الأصفار، ويتحدى الأسوار والأقنعة المتعددة، تلك التي أرادت أن تراك رقما محاصرا بأرقام من كل اتجاه
ولا تسمح لأياد تريد أن تمن عليك بمجرد مسحة فوق رأسك؛ فلا عيب أن يجد الإنسان نفسه في ضمير الغائب، كما يجدها في ضمير المتكلم وهو يواجه أقداره، مهما استعصى تفسيرها، فالنهاية واحدة، والبشر جميعا على هيئة المنتظر، لأن الموت حقيقة لا تستثني أحدا، وتلك هي المفارقة الكبرى في هذا الوجود المفعم بالارتباك؛ وتنسجم هذه الرؤية مع ما ذهب إليه الفيلسوف جان بول سارتر حين جعل الإنسان مسؤولا عن وجوده واختياراته، فلا خلاص إلا بالفعل الذي يصنع به ذاته، أما العبارة الشهيرة: "أن تكون أو لا تكون"، فهي تعبير صاغه شكسبير على لسان هاملت، ليجعل من التردد بين الوجود والعدم سؤالا إنسانيا خالدا
حين يسقط الإنسان في مآزق الحياة، لا ينبغي أن يقف في موقف المتألم، بل أن يجعل من ألمه وسيلة للنهوض؛ وعليه أن يطرد كل فكرة تدفعه إلى الشفقة على نفسه، لأن الشفقة لا تبني إنسانا، ولا تعيد إليه ما فقده؛ فالوحيد القادر على وصف دواء السقوط هو الإنسان نفسه، مهما بدا بعيدا عن ذاته في لحظات الانكسار، وفي نهاية المطاف، لا يبقى أمامه إلا أحد طريقين: إما الشجاعة في مواجهة المحنة، وإما الاستسلام الذي يكشف أسراره لمن لا يبالي بها، أو لمن يجد في ضعفه فرصة لإظهار تفوقه واستبداده؛ أما الاستسلام، فليس سلاما، بل خضوع مرفوض، لأنه يحمل في داخله شعورا بالقهر والانكسار، لذلك، فإن أول مقاومة تبدأ من الإحساس نفسه؛ بأن يواجه الإنسان ضعفه بنقيضه، وخوفه بالإقدام، ويأسه بالأمل، حتى يتجدد من داخله كلما عصفت به الأزمات وتقلبت به الأزمنة، فالإنسان لا يقهره الزمن إلا إذا استسلم له، أما إذا انتصر لنفسه، فإنه يحول الألم إلى قوة، والسقوط إلى بداية جديدة، والجراح إلى خبرة تعيد إليه بناء ذاته

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.