samedi 2 mai 2026

قراءة سيميو-سوسيولوجية في تمثلات المقدّس والتفكك الاجتماعي في رواية " للاّ زهيلة" للكاتب مصطفى البرقاوي // سعيدة خدوجة العربي // تونس


تندرج رواية للا زهيلة ضمن النصوص السردية التي تتجاوز الحكاية في بعدها الحكائي المباشر لتشتغل على مساءلة البنيات العميقة التي تنتج الإنسان الاجتماعي وتعيد تشكيله داخل شبكات الرمزي والنفسي والجماعي. فهي رواية تنفتح، بما تختزنه من كثافة دلالية وتعدد في المستويات الرمزية، على مقاربة سيميو-سوسيولوجية تكشف عن اشتغال العلامة داخل النص بوصفها امتدادًا لبنية اجتماعية مأزومة، حيث يتقاطع المقدّس بالهامشي، والجرح النفسي بالعطب الجماعي، وتغدو الذوات الفردية تجلياتٍ متفرعة عن اختلال أعمق يطال النسق الاجتماعي برمّته.
منذ مفتتحها السردي، تؤسس الرواية لثنائية مركزية هي ثنائية الهروب/التطهر؛ فالعفيف لم يغادر الجماعة بوصفه شخصًا ضاق بالمحيط فحسب، غادرهم بوصفه ذاتًا مأزومة لفظها مجتمع تحكمه آليات النفاق الأخلاقي والعنف الرمزي والافتراس المعنوي للآخر. ومن ثمّ فإن صعوده إلى الجبل حيث مقام للا زهيلة لا يُقرأ انتقالا جغرافيا بقدر ما يُقرأ بوصفه ارتقاء رمزيا من المجال المدنس إلى تخوم المقدّس، حيث يتحول الجبل إلى علامة سيميائية مشبعة بدلالات العلو والانفصال والتطهر.
غير أن الرواية لا تنزلق إلى تبني هذا المقدّس أو الاحتفاء به فقط كعلامة فارقة في المخيال الشعبي المحلّي، إنما هي تعمل على تفكيكه؛ إذ سرعان ما تكشف أن العفيف، الفارّ من سلطة الجماعة، لم يفلت منها حقًا، كما كان قصده في البدء فقد أُعيد إنتاجه داخل مخيالها الجمعي في هيئة "وليّ" جديد. وهنا تبلغ الرواية إحدى أكثر لحظاتها النقدية كثافة، إذ تفضح الآلية التي بها تصنع الجماعات التقليدية رموزها: فهي لا تفهم المختلف، فتؤسطره؛ ولا تعالج الضحية، فتقدّسها. وبهذا يصبح العفيف امتدادًا سرديًا للا زهيلة نفسها، ويتحول التماثل بين الشخصيتين إلى بنية دلالية تعكس عجز المجتمع عن مراجعة منطقه العنيف، واكتفاءه بإعادة إنتاج مآسيه في هيئة أساطير.
وعبر هذا التوازي البنيوي بين الشخصيتين، يشي النص بأن المجتمع أعمى فاقد لآليات التعلم من ماضيه، فهو بارع في تدوير مأساته في صيغ رمزية جديدة؛ فالضحية القديمة تتحول إلى ولية، والضحية الجديدة إلى ناسك/قديس، بينما تبقى البنية المنتجة للعنف على حالها.
لكن الرواية لا تترك هذه الأسطرة مستقرة؛ إذ تهدمها تدريجيًا عبر إقحام العفيف في شبكة العلاقات الإنسانية والرغبات الأرضية، ليتحول من كائن متعالٍ في المخيال الشعبي إلى ذات بشرية مأزومة تخضع لما يخضع له الآخرون من هشاشة عاطفية واحتياج وجداني. وبذلك تُنزِل الرواية المقدّس من عليائه، وتعيده إلى شرطه الإنساني.
ومع انتقال الفضاء السردي من الجبل إلى المدينة، يتبدل منطق الرواية من بناء الأسطورة إلى تشريح الاجتماع. فالمدينة لا تظهر بوصفها فضاء حداثة، بل بوصفها مجالًا تتعرّى فيه الذوات وتتقاطع الرغبات وتنهار الأقنعة. وهنا تتخذ الخيانة موقعًا بنيويًا داخل السرد، لا بوصفها حادثة أخلاقية معزولة، بل بوصفها عرضًا لانهيار الثقة واختلال العلاقة بين الذات والآخر في مجتمع فقد انسجامه الداخلي.
وتتبدى هذه الهشاشة بوضوح في رسم الشخصيات النسائية، حيث تنجح الرواية في جعل المرأة مرآة لتصدعات المجتمع النفسية والوجدانية؛ فكل شخصية نسائية تكاد تمثل وجهًا مخصوصًا من وجوه الانكسار الاجتماعي:
بية بما تحمله من هشاشة وجودية وارتهان عاطفي للآخر،
وخولة بما تجسده من مأساة الثقة المهدورة،
وراضية بما تختزنه من تيه نفسي ناتج عن تصدع الأسرة وانهيار المرجعيات،
وبهيجة بما تمثله من تقاطع بين السلطة الاجتماعية والفراغ الوجداني.
وعليه، فإن النص لا يعالج الاضطراب النفسي بوصفه خللا ذاتيا، ولا بوصفه انعكاسا لبنية اجتماعية مأزومة تنتج هشاشتها داخل الأفراد ،فهو يصوره نسقا حياتيا مرتبكا على مستوى علائقي وفردي.
وتبلغ الرواية ذروة رمزيتها النفسية في شخصية سليم وفقدانه للذاكرة، حيث يتحول النسيان إلى استعارة قصوى عن ذات مسحوقة بالعطب، لم تعد قادرة على حمل عبء ذاكرتها. فالنسيان هنا ليس فقدًا للماضي فقط، بل انهيارًا لعلاقة الذات بتاريخها الشخصي، والجمعي والإنساني وتفككًا لمعمار الهوية تحت ضغط الصدمة.
كما ينهض المعجم المحلي في الرواية بدور سيميائي بالغ الدلالة؛فضلا على أنّه يحضر بوصفه تلوينا لغويا و تزويقا فولكلوريا، فهو أيضا علامة على الانتماء الطبقي والثقافي، وكوسيلة لفضح التوتر القائم بين الهامش والمركز، بين الثقافة الشعبية والعالم البرجوازي المديني. فاللغة هنا لا تُستعمل فحسب، بل تُمارَس بوصفها هوية.
ومع ذلك، فإن الرواية—رغم ثرائها الموضوعاتي وجرأتها الفكرية—لا تنجو من بعض المآخذ الفنية التي تحدّ من اكتمالها البنائي. فأبرز ما يُؤخذ عليها هو تراخي الحبك الحكائي وتفاوت الإحكام بين مساراتها السردية؛ إذ يبدو النص في مواضع عديدة أكثر ميلا إلى تجميع الثيمات الاجتماعية والنفسية منه إلى نسج حبكة عضوية محكمة، بما يجعل بعض التحولات تبدو أقرب إلى التراصف الموضوعاتي منها إلى التطور الدرامي الطبيعي.
كما أن الرواية، على الرغم من انفتاحها على قضايا بالغة الأهمية كالتعليم، والصحة النفسية، والتفكك الأسري، والوعي الجمعي، لا تستثمر جميع هذه القضايا بالعمق الدرامي الذي توحي به. فكثير من هذه الثيمات تُطرح بوصفها إمكانات فكرية خصبة دون أن تُستوفى سرديًا بالقدر الكافي، وهو ما يخلّف لدى القارئ انطباعًا بأن النص يمتلك مادة اجتماعية أغنى من قدرته على احتوائها حكائيا.
ومع ذلك، فإن هذه الثغرات لا تنتقص من القيمة الفكرية والجمالية للرواية بقدر ما تكشف عن نص ذي طموح موضوعاتي واسع، يتجاوز أحيانًا حدود بنيته الفنية، فيغامر بفتح أسئلة أكثر مما يمنح من أجوبة، ويطرح قضايا أكبر مما تسمح به هندسته السردية المحدودة.
في الختام، تقدّم «للا زهيلة» نصًا روائيًا ينشغل بتفكيك آليات إنتاج المقدّس الشعبي، وتشريح هشاشة العلاقات الإنسانية داخل مجتمع تتآكل فيه المرجعيات وتتصدع فيه البنى الأسرية والوجدانية. إنها رواية تكتب الإنسان بوصفه أثرًا لبنية اجتماعية مختلة، وتكشف كيف تصنع الجماعة رموزها وضحاياها بالآليات نفسها، في عالم لا يتوقف عن إعادة تدوير جراحه تحت أسماء جديدة.








vendredi 1 mai 2026

من مثلي يحبك // ثامر الخفاجي // العراق

 

منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أَنَّكِ
أخْطَرُ إمرأةٍ
في تاريخِ العشقِ
وَلَيالِي السُّمّارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّ الطَّريقَ
إليكِ مُوحِشَةٌ
إلا منْ بناتِ إفْكاري
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّكِ قَدَرٌ
لا يَرحمُ منْ لا يُؤمِنُ
بِالأقْدارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
وكلُّ صورِكِ حَبيباتِي
وكَلامُكِ
أجْملُ أشْعاري
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ
أنَّ في مِحرابِكِ
لاتُقبلُ توبةَ عاشقٍ
فحذارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّ الطَّرِيقَ
إلى جنتكِ يَعني
عُبورَ النار
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّكِ سًيفٌ
لا يَحْمِلُهُ
أَنْصافُ الثُّوارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ويَعرِفُ أنَّكِ لُغْزٌ
لا يَفُكَّ طَلاسِمَهُ
كهنةُ الأَسْحارِ
منْ مِثلي يُحِبُكِ
ياامْرَأَةً
وفي بِلاطِكِ
يَتهاوى الشُّعراءُ
ومُلوكُ الأمْصارِ.






لو تعلم يا أبي...// الزهرة الحميمدي // المغرب

 

لو تعلمُ يا أبي
أنني كلّما عبرتُ المرايا
رأيتُ ظلكَ
يُرتّبُ فوضى الضوء
في الممرّاتِ القديمة…
وأنّ المساءاتِ
منذ رحيلِ خطاكَ
صارتْ تُشبهُ نوافذَ مهجورة
بزجاج مكسور
لو تعلمُ…
كم أخبّئُ صوتكَ
في جيوبِ الصمت،
وأعلّقهُ كتعويذةٍ
على أبوابِ الأيام.
حينَ أتعب
أجلسُ قربَ ذاكرتكَ،
كمن يشعلُ قنديلاً
في بئرٍ عميقة
أبي…
كلُّ الطرقِ التي سلكتُها
كانتْ تؤدي إليكَ،
حتى تلكَ التي ازدحمتْ
بالغرباءِ
واللافتاتِ الصدئة.
أتعلم يا أبي،
ما زلتُ أخافُ الشتاءَ
منذُ أن صارَ معطفُكَ
وحيدًا
خلفَ الباب.
وما زلتُ كلّما هطلَ المطرُ
أظنُّ السماءَ
تحاولُ أن تكتبَ اسمكَ
ثم تبكي…
لو تعلمُ يا أبي
أنّ العمرَ
ليسَ سوى نافذةٍ
نظلُّ نفتحُها
على الذينَ غابوا،
كي لا ينطفئَ البيتُ تمامًا.