lundi 28 septembre 2026

قراءة في قصيدة الشاعر محمد الحمدوشي // حميد بركي // المغرب

 

اللئام
وكنت أظن
أن اللئام
أشباح في الظلام
وكم توهمت
أن ليس لي قصعة
يتحلق حولها اللئام
لكن الأيام
أزاحت الظلام والأوهام
واكتشفت أنني
أنا القصعة والطعام
واكتشفت أني
أعرف اللئام
تمام التمام
وأنهم يجيدون
المكر والغدر
كما يجيدون
النفاق والإبتسام.
«اللئام» تقوم في جوهرها على مجاز مركزي واضح، هو تحويل صورة اجتماعية وأخلاقية مجردة إلى مشهد حسيّ قائم على القصعة والطعام والالتفاف حولهما، وهو المجاز هو الذي يمنح النص وحدته وقوته، إذ لا تتحدث عن اللئام بوصفهم أشخاصًا فحسب، فهو الكشف عن سلوكهم من خلال صورة محسوسة تتطور أمام القارئ.
في البداية تقول:
وكنت أظن
أن اللئام
أشباح في الظلام
يبدأ من لفظ «أشباح»؛ فاللئام ليسوا أشباحًا بالمعنى الحقيقي، فهو قد شبه حضورهم الغامض والمستتر بحضور الأشباح، وفي لفظ «الظلام» مجاز آخر؛ فالظلام أصبح رمزًا للجهل بحقيقة الناس، وللأمور التي لا تظهر على حقيقتها وكأنه يرى اللئام موجودين، ولكنه لم يكن يستطيع أن يميز وجوههم أو يكشف حقيقتهم.
ثم تأتي الصورة الأهم:
وكم توهمت
أن ليس لي قصعة
يتحلق حولها اللئام
فالـ**«قصعة»** استعارة عن المنفعة والمصلحة والعطاء الذي يجعل أصحاب الأطماع يلتفون حول الإنسان، وهي شيء مادي، لكنه جعلها رمزًا لما عند الإنسان من قيمة أو مال أو مكانة أو قدرة على العطاء.
والفعل «يتحلق» يزيد الصورة تجسيدًا؛ فنحن نرى جماعة تجلس حول قصعة واحدة، وكل واحد منها ينتظر نصيبه، وبذلك انتقلت القصيدة من الحديث عن صفة أخلاقية مجردة، هي اللؤم، إلى مشهد بصري يمكن للقارئ أن يراه.
ثم تأتي نقطة التحول الكبرى:
لكن الأيام
أزاحت الظلام والأوهام
الأيام هنا شُخِّصت، أي مُنحت قدرة الإنسان الذي يستطيع أن يزيح ويكشف، فهي تزيح ظلام الوهم، وهذه صورة موفقة لأن التجربة والزمن هما اللذان يكشفان عادةً ما تخفيه الوجوه.
ثم تبلغ القصيدة ذروة المجاز:
واكتشفت أنني
أنا القصعة والطعام
هذه أقوى صورة في النص كله.
لا يقول إن له قصعةً وطعامًا، فهو يقول: «أنا القصعة والطعام». حيث تتحول ذات الشاعر نفسها إلى مائدة يأكل منها اللئام. فالقصعة ترمز إلى ما يجتمع عليه أصحاب المصلحة، والطعام يرمز إلى ما يستفيدون منه في الشاعر أو منه؛ وقد يكون المقصود عطاءه، أو مكانته، أو ثقته، أو طيبته، أو ما يملكه من قيمة تجعل الآخرين يقتربون منه.
وفي هذه الصورة مفارقة قوية: كان يظن أن له قصعة يتحلق حولها اللئام، ثم اكتشفت أن القصعة نفسها هو، والطعام هو أيضًا، أي أنه أصبح في نظرهم مصدر المنفعة ذاتها.
ثم تقول:
واكتشفت أني
أعرف اللئام
تمام التمام
وتنتقل القصيدة من اكتشاف الآخرين إلى اكتشاف الذات؛ فالتجربة علمته أن يعرف طرائقهم.
وتأتي الخاتمة:
وأنهم يجيدون
المكر والغدر
كما يجيدون
النفاق والابتسام
المفارقة جميلة بين «النفاق» و«الابتسام» فالابتسام في ذاته فعل جميل، لكنه وضعه إلى جانب النفاق، فأصبح الابتسام في هذا السياق قناعًا اجتماعيًا قد يخفي وراءه المكر والغدر. وليس المقصود ذم الابتسام، فقد كشف الابتسامة التي لا تطابق ما في القلب.
واللافت في القصيدة أنه بنى المجاز على حركة من الظلام إلى الكشف، ومن الوهم إلى الحقيقة، ومن الأشباح إلى الوجوه، ومن القصعة إلى الطعام، وهذا يجعل النص أشبه بحكاية قصيرة مكثفة: الشاعر كان يظن أن اللئام بعيدون عنه، ثم جاءت الأيام فكشفت له أنهم حوله، ثم اكتشف المفاجأة الكبرى: أنه هو نفسه موضع أطماعهم ومصدر ما يريدون.
ومن الناحية الفنية، فإن أجمل ما في القصيدة هو المجاز المركب؛ لأنه لم يستخدم استعارة منفردة ثم تنتقل إلى أخرى بلا علاقة، فقد جعلها تتساند: الظلام، الأشباح، القصعة، الطعام، التحلق، الأكل، المكر، القناع الاجتماعي، وكلها تصب في معنى واحد هو انكشاف حقيقة العلاقات القائمة على المصلحة، وهو أشبه بالردف الصوري، و لذلك قدم اللئيم في صورة شخص يعلن لؤمه، و قدمه في صورة أكثر واقعية: إنسان يقترب، يبتسم، يتحلق، ويبدو كأنه صاحب مودة، ثم تكشف الأيام أن وراء ذلك غرضًا.
وأرى أن عبارة «أنا القصعة والطعام» هي مركز القصيدة الدلالي؛ لأنها تختصر تجربة كاملة في أربع كلمات، وفيها سخرية مريرة من الذات ومن الآخرين في آن واحد، فهو يكشف أيضًا أنه لم يكن منتبهًا إلى موقعه في هذه العلاقة إلا بعد أن كشفت له التجربة حقيقتها.
ولهذا يمكن قراءة «اللئام» بوصفها قصيدة عن انكشاف الإنسان للإنسان، لا عن اللؤم وحده؛ فالظلام فيها هو ظلام المعرفة، والأشباح هي الوجوه غير المكشوفة، والقصعة هي المنفعة، والطعام هو الإنسان حين يتحول عطاؤه أو مكانته إلى غاية للآخرين، والأيام هي التي ترفع الحجاب عن الحقيقة.







Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.