samedi 28 février 2026

يا نهر دجلة // ثامر الخفاجي // العراق

 

يا نهر دجلة... ظَمآنٌ أَنا
يا دِجْلَةُ، ظَمآنٌ أَنا،
أَأَسْقيكِ أَمْ تَسقينِي؟
أَسقيكِ وُجْدًا وَهَمًّا
لا حُدودَ لَهُ.
أَخْصِفِي عَلَيَّ ماءَكِ،
لَعَلَّهُ يُروينِي.
يا دِجْلَةُ،
ابْلَعي ماءَكِ،
لَمْلِمي ضِفافَكِ،
ولا تَكونِي وُضوءًا
لِلخَرّاصينَ وَالمُرجِفينَ،
ومَنْ فيهم
نَفْخَةُ الشَّيطان.
فَلَمْ يَعُدْ بالإمكانِ
أَحْسَنُ مِمّا كان،
كَشَفَ القِناعُ،
وبانَ السِّجْنُ،
وعَرَفْتُ هُوِيَّةَ السَّجّان.
سَأَتَعَرّى يا دِجْلَةُ،
وأَخْلَعُ آخِرَ قِطْعَةٍ
تَسْتُرُ جَسَدِي،
رَغْمَ أَنَّني رَجُلٌ شَرْقيٌّ
أُحِبُّ الحِشْمَةَ كثيرًا،
ولي في المرأةِ
أُسْوَةٌ حَسَنَة.
أَلَيْسَ في العُرْيِ
صَبْغٌ لِلآكِلينَ؟
أَعْرِفُ أَنَّني سَأَكونُ
في مَرْمَى سِهامِ الأَقْلامِ
المَوْبُوءةِ ضَجَرًا
مِن عُرْيِ أَنْفُسِهِمْ
وعُرْيِ الرِّجال.
رَغْمَ أَنَّ عُرْيَهُمْ
لا شائِبَةَ فيه... لكِنْ
قَدْ يَكونُ عُرْيُهُمْ
أَكْثَرَ إِثارَةً مِنْكِ سَيِّدَتي،
لَكِنَّهُمْ يُفَضِّلونَ امْرَأَةً
تَسْتَبيحُ أَقْلامُهُمْ
كُلَّ قِطْعَةٍ مِنْ جَسَدِها
كَحِكاياتِ
ألف ليلة وليلة.
لا تَفْزَعي سَيِّدَتي،
لا زِلْتُ بِكامِلِ أَناقَتي،
رَغْمَ أَنَّني
حاسِرُ الرَّأْسِ،
حافِي القَدَمَيْن.
سَأَجْعَلُهُمْ
يَسْتَنْفِدونَ آخِرَ فَضيحَةٍ
عَرَّتْها أَقْلامُهُمْ،
وعُقولُهُمْ الَّتي لا تَزالُ
قَيْدَ الفَحْصِ وَالدَّعارَة،
تُثْبِتُ أَنَّهُمْ عُراةٌ
مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ
وَطِئَتْ فيه أَقْلامُهُمْ
لِتَنْهَشَ ما تَبَقّى
مِن جَسَدِكِ وَجَسَدِي.










الشرخ ( أو لقمة العار) // أحمد نفاع // المغرب

 

الشرخُ
[ أو لقمةُ العار ]
لاح
ما هو أفظَع ..
كأني بي، في وَكر / كابوس
أقنع نفسي أني حَيٌّ
في سماكة
كفنٍ
بلا
ثُقب
كأني
في سهاد
أتجمدُ وسط الجمر
ولا أسمع إلا صدى صوتي
صرخاتٌ مبحوحةٌ
وبكاء
يطولُ الليل
يتمدَّدُ التابوت
تتسعُ الأشداقُ لتُصبحَ مقبرةً
ثم جزيرةً عمياء (١)
تبتلع السماء
والدماء
زاغت
النظرات ..
في زمنٍ بِمخالب
العالم مهووس، مفتون
وشمعاتٌ بريئاتٌ
يَذُبنَ قرباناً
في ليال
الغَدر
وقلبي
وعقلي في سجن
بلا عنوان
بلا
جدران
فيمَ تفيدُ ..
عروشُ الصولجان
وراياتُ ممالكٍ يفضحُها العار
نفتخر بِحبرِ المواثيق
وننسَى حقيقة
أن نتذكرَ
أننا
الإنسان.

******
(١) إشارة إلى جزيرة إبستين Epstein






وصايا كاتب في زمن الرداءة // إدريس الجرماطي // المغرب

 

ـ لا تدخل الكتابة إلا إذا كنت مستعداً للخسارة
الكتابة ليست نزهة لغوية، ولا عرضاً استعراضياً للبلاغة.
إنها مقام يُدفع فيه الكثير:
راحة، استقرار، صمتٌ كان يمكن أن يكون مريحاً.
في زمن الرداءة، أول ما تخسره هو القطيع.
وأول ما تكسبه هو نفسك.
من يكتب حقاً، يوقّع تنازلاً مبكراً عن التصفيق، ويستبدله بنداء داخلي يقول:
"كن صادقاً ولو بقيت وحدك."
ـ لا تثق في الضجيج
الرداءة لا تمشي على أطراف أصابعها، إنها تصرخ، تلمع، تتكاثر.
أما المعنى، فيمشي متخففاً، يشبه ناسكاً يحمل مصباحاً صغيراً في ممر طويل.
لا تنخدع بكثرة الضوء الاصطناعي، فالكتابة ليست ما يُرى سريعاً،
بل ما يبقى بعد انطفاء العروض.
ـ اكتب كأنك تُنقذ شيئاً من الغرق
في كل نصٍّ حقيقي محاولة إنقاذ:
طفولة، ذكرى، عدالة مؤجلة، أو إنسان يتعرض للطمس.
حين تكتب، لا تسأل:
"هل سيُعجبهم هذا؟"
بل اسأل:
"هل أنقذتُ به شيئاً من الضياع؟"
ـ لا تجعل من القلم سيفاً على الضعفاء
في زمن الرداءة يسهل أن تكون قاسياً، أن تهاجم لتُرى، أن تجرح لتُصفق لك الجموع.
لكن الكاتب الحقيقي لا يطعن الهشّ، بل يواجه الصلب.
قلمك ليس أداة انتقام، بل أداة كشف.
والكشف لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى وضوح.
- احذر أن تتحول إلى موظف في اللغة
كما يذوب الفكر في الروتين، يمكن للكاتب أن يتحول إلى موظف إداري داخل جمله.
يكتب لأنه تعود أن يكتب، وينشر لأنه تعود أن يُنشر.
اخرج من العادة.
اكتب كما لو أن النص الأول لم يُكتب بعد.
كأنك تبدأ العالم من جديد.
ـ لا تخجل من حلمك الكبير
كل كاتب بدأ بحلم مستحيل.
أن يلامس أفقاً بعيداً، أن يكون صوته مسموعاً في خرائط أبعد من جغرافيته.
لكن الحلم لا يتحقق بالتقليد، بل بالعثور على نبرتك الخاصة.
اقرأ للكبار، لكن لا تسكن ظلالهم.
اصنع ظلك أنت.
ـ دافع عن الجنون النبيل
في زمن تُقاس فيه الأشياء بمعيار الربح، يبدو الكاتب مجنوناً.
لكن هناك نوعاً من الجنون هو أعلى درجات العقل:
أن ترفض الظلم ولو صفق له الجميع، أن تسائل البداهات، أن ترى في الهامش مركزاً مؤجلاً.
لا تخف أن يقال عنك: "حالم".
الخطر الحقيقي أن يقال: "منسجم تماماً مع الرداءة".
ـ لا تطلب الخلود… اطلب الصدق
الخلود ليس قراراً شخصياً، ولا جائزة تُمنح.
ما تستطيع التحكم فيه هو صدق اللحظة.
أن تكتب بما يشبه الاعتراف، لا بما يشبه الإعلان.
إن بقي نصك بعدك، فذلك شأن الزمن.
أما شأنك أنت، فهو أن لا تخون ما شعرت به حقاً.
ـ اجعل من العزلة حليفاً لا سجناً
ستحتاج إلى العزلة.
لكن لا تجعلها جداراً يفصلك عن الناس، بل نافذة تطل منها عليهم بعمق أكبر.
الكاتب الذي لا يحب البشر، لن يكتب عنهم بصدق.
والكاتب الذي يذوب فيهم تماماً، سيفقد المسافة التي يرى منها الصورة.
ـ تذكر أنك تكتب ضد النسيان
كل نص مقاومة للنسيان.
كل قصة شاهد صغير على زمن عابر.
كل جملة محاولة لترميم شرخ في ذاكرة الإنسان.
في زمن الرداءة، يُراد للناس أن ينسوا بسرعة،
أن يستهلكوا الفكرة كما يستهلكون خبراً عابراً.
أما أنت، فاكتب ما يستحق أن يُتذكر.
ـ لا تيأس من قلة القراءة
قد تشعر أنك تكتب في صحراء، أن الكلمات تتبخر قبل أن تجد قارئاً.
لكن الكتابة ليست سباق أرقام.
قارئ واحد يفهمك بعمق
أصدق من ألف عابر.
اكتب لذلك القارئ الذي لم يولد بعد، أو لذلك الذي يبحث عن جملة تنقذه في ليلة طويلة.
ـ وأخيراً… لا تتوقف
سيأتيك التعب، وسيهمس لك صوت خافت:
"ما الجدوى؟"
تذكر حينها لماذا بدأت.
تذكر الزورق الورقي الأول، والارتعاشة الأولى، واللحظة التي أدركت فيها أنك دخلت حرباً محبوبة.
الكتابة ليست طريقاً مفروشاً باليقين، بل درباً من الأسئلة.
وما دام السؤال حياً فيك، فأنت حي.
في زمن الرداءة، لا يكون الكاتب بطلاً، ولا قديساً، ولا نبياً. يكون فقط إنساناً يرفض أن يتخلى عن المعنى.
وهذه، في حد ذاتها، أعظم مقاومة.







اللغة بوصفها كينونة أنطولوجية: مقاربة تحليلية تطبيقية على شعر أبي العلاء المعري // ربا رباعي// الأردن


 ملخص تهدف هذه الدراسة إلى بناء إطار تحليلي فلسفي-نقدي ينظر إلى اللغة بوصفها كينونة فاعلة لا أداة محايدة، ويؤسس لقراءة النص الأدبي باعتباره فضاءً جدلياً بين الظاهر والباطن، وبين الواقع والمتخيَّل، مع إعادة تعريف وظيفة النقد بوصفه فعلاً إبداعياً موازياً. وتُطبَّق هذه الرؤية على شعر أبو العلاء المعري بوصفه نموذجاً مبكّراً لحداثة لغوية ووجودية تتجاوز عصرها، ولا سيما في ديوانه لزوم ما لا يلزم و رسالة الغفران. تنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن المعري لا يستخدم اللغة لقول الفكرة، بل يجعل اللغة نفسها مجالاً لامتحان الفكر، وأن نصه يقوم على توتر دائم بين البنية البلاغية الصارمة والرؤية الشكية القلقة، بما يجعله مثالاً مبكراً لمفهوم “اللغة التي تسبق الوعي”. أولاً: الإطار النظري – اللغة بين الأداة والكائن 1

 Martin Heideggerاللغة بيت الوجود يؤسس التصور الأنطولوجي للغة، كما عند  الفكرة أن «اللغة بيت الوجود»، أي أن الإنسان لا يمتلك اللغة بل يسكنها. هذا التحول من مركزية الذات إلى مركزية اللغة يسمح بإعادة قراءة الشعر لا بوصفه تعبيراً عن تجربة سابقة، بل بوصفه حدثاً لغوياً يخلق التجربة ذاتها. في شعر المعري، لا تظهر اللغة وعاءً للفكرة الزهدية أو الشكية، بل مختبراً وجودياً يُعاد فيه اختبار المسلّمات. فالتراكيب المحكمة في لزوم ما لا يلزم ليست مجرد صناعة عروضية، بل تمثيل بنيوي لفلسفة اللزوم والقيود التي تحكم الوجود الإنساني.

كما عند جدلية الظاهر والباطن يستحضر مفهوم الجدلية،  Georg Wilhelm Friedrich Hegel

 فكرة أن التوتر يولّد المعنى. غير أن التوتر في النص الشعري  ليس صراع أطروحة ونقيضها، بل صراع بين ما يُقال ومايضمر : في شعر المعري 

الظاهر: حكمة، زهد، تأمل أخلاقي.

الباطن: قلق ميتافيزيقي،  شك معرفي، احتجاج على البنية العقدية والاجتماعية

. قصيدته لا تُقرأ قراءة تقريرية؛ إذ إن بنيتها الإيحائية تجعل كل بيت قابلاً لطبقات متعددة من التأويل، ما يضع القارئ في موقع الشريك لا المتلقي السلبي.

friedrich Nietzsche :  ثانياً: الوهم بوصفه ضرورة جمالية يرى 

  أن الفن «كذبٌ جميل يجعل الحياة ممكنة». 

في هذا السياق، لا يكون الوهم نقيض الحقيقة، بل شرطاً لقولها.

 في رسالة الغفران، يوظف المعري الرحلة الأخروية التخيلية لا ليبني عالماً وعظياً، بل ليعيد مساءلة التصورات الدينية السائدة عبر مفارقات ساخرة. هنا يصبح الوهم السردي أداة تفكيك معرفي، ويغدو الخيال استراتيجية نقد ثقافي.

الوهم عند المعري

بل إعادة تشكيل نقدي له ليس هروباً من الواقع

. وهو ما يمنح النص طاقة تفكيكية تتجاوز زمنه

اشتعال ثالثاً: إشعال اللغة – الكتابة بوصفها حدثاً :ترتبط فكرة “ 

Gilles Del euz اللغة” بمفهوم الحدث عند  

حيث لا تمثل الكتابة انعكاساً لتجربة، بل توليداً لها.

في شعر المعري

 التقييد العروضي الصارم (لزوم ما لا يلزم) يتحول إلى فضاء حرية فكرية.

. الصنعة البلاغية لا تخنق الفكرة، بل تشدّد توترها

كل كلمة تؤدي وظيفة دلالية مضاعفة. هنا تصبح اللغة طاقة متوترة، لا وسيلة تواصل يومية، ويغدو الإبداع لحظة احتراق داخلي تسبق التدوين.

رابعاً:

  الناقد بوصفه مبدعاً ثانياً أعلن Roland Barthes 

 موت المؤلف مؤكداً أن النص يولد في القراءة. 

وبناءً عليه، فإن قراءة المعري لا يمكن أن تتوقف عند مقاصده  الظاهرة.

 ويعيد إنتاج النص في أفق تأويلي جديد بل يكشف إمكاناته لايشرح المعنى النقد هنا

 وبهذا يصبح المعري نصاً مفتوحاً، تتجدد قراءته عبر العصور، من التأويل الصوفي إلى القراءة الوجودية المعاصرة. 

خامساً:

 الحداثة بوصفها مغامرة لغوية :الحداثة ليست زمناً تاريخياً، بل وعياً لغوياً جديداً.

 وبالرغم من انتماء المعري إلى القرن الخامس الهجري، فإن نصه يحقق سمات حداثية

.مساءلة المسلّمات

. مركزية القلق الوجودي

. تفكيك السلطة المعرفية

. تعددية المعنى

 إن تشظي الرؤية في شعره يعكس وعياً مأزوماً بالوجود، ما يقربه من الحساسية الحداثية، رغم اختلاف السياق التاريخي.

سادساً: تطبيق تحليلي نموذج دلالي في قوله الشهير:

: هذا ما جناه أبي عليَّ وما جنيتُ على أحدِ يتجلى

 ظاهر أخلاقي (تبرؤ من الظلم)

. باطن وجودي (احتجاج على القدر والوراثة والوجود ذاته)

 اللغة هنا لا تنقل فكرة جاهزة؛ بل تُنشئ مفارقة تولّد توتراً بين البراءة والذنب، وبين الفرد والنظام الكوني.

. نموذج بنيوي في لزوم ما لا يلزم

: الإلزام القافي المزدوج يعكس فلسفة القيد

. القيد العروضي يتحول إلى رمز أنطولوجي

. الشكل يصبح دالاً على الرؤية

. هنا تتجسد الفرضية المركزية للدراسة: البنية ليست وعاءً للفكرة، بل شريك في إنتاجها

سابعاً: 

من سؤال اللغة إلى سؤال الوعي 

تتوزع المواقف الفلسفية بين أولوية الوعي (التصور الكلاسيكي)

. أولوية اللغة (البنيوية وما بعدها)

. التداخل الجدلي بينهما

 في تجربة المعري، يبدو أن اللغة تسبق الوعي؛ إذ تكشف الأبيات عن أبعاد لم يكن الوعي المباشر قادراً على تنظيمها في نسق منطقي تقريري. فالقصيدة تتجاوز قائلها، وتفتح أفقاً تأويلياً متجدداً

النتائج

 اللغة في شعر المعري كينونة فاعلة لا أداة

. النص فضاء جدلي بين ظاهر أخلاقي وباطن وجودي

. الوهم السردي والشعري ضرورة جمالية ومعرفية

. البنية الشكلية شريك في إنتاج المعنى

. النقد فعل إبداعي يعيد توليد النص

. المعري يمثل نموذجاً مبكراً لحداثة لغوية ووجودية

. خاتمة

 تكشف هذه المقاربة أن أبو العلاء المعري ليس مجرد شاعر زاهد أو حكيم متشائم، بل مفكر لغوي سبق عصره في وعيه بأن النص ليس رسالة مغلقة، بل كيان حيّ يتجدد في كل قراءة. 

إن شعره يبرهن أن الحداثة ليست تاريخاً، بل موقفاً من اللغة، وأن الإبداع الحقّ يبدأ حين تتحول اللغة من أداة إلى قدرٍ وجودي.

. المراجع المختارة Martin Heidegger، On the Way to Language. Friedrich Nietzsche، The Birth of Tragedy. Roland Barthes، Image–Music–Text. Gilles Deleuze، Difference and Repetition. Georg Wilhelm Friedrich Hegel، Phenomenology of Spirit

. أبو العلاء المعري، لزوم ما لا يلزم

. أبو العلاء المعري، رسالة الغفران






dimanche 22 février 2026

ارتهان // كامل عبد الحسين الكعبي // العراق

 

في الزوايا البعيدة
رأسٌ من فخارٍ مصقول
يبيعُ القبّعاتِ للرؤوسِ العارية
ويُقنعها أنَّ السقفَ سماءٌ
لا يمنعهُ صمتُهُ الحجري
من إشعال مواقدَ كثيرةٍ
بخشبِ الأسئلة
تدورُ حولَ قدميهِ خطبٌ قصيرة
كذبابٍ هجين ،
تصفِّقُ للسطحِ وهو ينحدر
وتُلمِّعُ مرايا
تجيدُ صناعةَ الوجوهِ
أكثر ممّا تجيد كشفها
الأطيافُ تمرُّ من هناك
خفيفةً كرسالةٍ لم تُفتحْ
هيَ لا تصرخُ
لا تلوِّحُ بشهاداتها
ولا تضعُ علىٰ صدرِها
وساماً من قصدير
عادةً ما أكونُ مُستغرقاً
بحبرٍ شحيحٍ يبحثُ عن شريان
وكتبٍ مطبقةِ الفَمِ عن أعينٍ
لا تقرأ سوىٰ العناوين العريضة
ثَمّةَ مكتباتٌ تغلقُ نوافذَها باكِراً
خشيةَ أنْ يتسرّبَ منها
ضوءٌ زائد
ثَمّةَ طباشيرُ يتآكَلُ
علىٰ سبورةٍ لا تصغي
ثَمّةَ نشرةُ أخبارٍ تضعُ المساحيقَ
علىٰ وجهِ السقوطِ
وتُسميهِ ارتفاعاً
الزيفُ يربِّتُ علىٰ كتفِ المدينةِ
ويعدُها بطرقٍ أقصر
نحوَ الهاوية ،
يبيعها خرائطَ مقلوبةَ الاتجاهات
تحفّها أصواتٌ مستنسخةٌ
تلوكُ الهواءَ وهوَ يتردَّدُ
وتعلِّقُ علىٰ الأعناقِ
أوسمةً من غبار
الحقيقةُ لا تملكُ مكبِّرَ صوتٍ
ولا جيشاً من المصفقين
تمشي حافيةً فوقَ بلاطٍ بارد
وتزرعُ في الشقوقِ الصغيرةِ
بذوراً لا تُرىٰ
تتدرّبُ سرَّاً على كسرِ الحجر .








فوضى // نصيف علي وهيب // العراق

 

يولد
من فوضى الليل
حلم
يكحل العيون
بالأمل
***
الموجود
لفوضى العالم
سلام
يطمئن به
قلبي دائما
***
يلملم
فوضى اللحظات
يوم
شروق آخر
غدا
***
فوضى الأيام
رحيل حبيب
سيلتقي
بأحباب له
في الجنة.








vendredi 20 février 2026

ترنيمة غياب // محمد لغريسي // المغرب

 

لوجْـه الـبـدْر الـغـائـبِ
هـنـاكَ ..
ترنـيـمـةُ قـيـثـارةٍ
شـجـيـَّةٍ
و..وداعٍ
لِـرفْـرفـةِ الـصَّـقـر الـسـاهِـي
بـين ظـلٍّ نــاعـسٍ
و زوال جــاثـمٍ
مـقـامُ اللــوز ِ
وصـهـلـةُ يـمــامٍ
لأنـفِـه الـبـارزِ.. كـرُمـحِ غـــْزوةٍ
شِــدَّة الـلـواعـجِ
وحـفـلـةُ شـهـدْ !
للـكـلـمـاتِ..
الـمـطـرزةِ بـيـن شـفـتـيـهِ
رقـرقـةُ شـايٍ مـعـتـقٍ
ورحـيــقُ آذارَ
لجـلــبـابِـهِ الـفـضـفـاضِ..
كـغـمـزةِ عـيـدٍ
دفْءُ الأسْـحارِ
وشُـعْـلـةُ آمَــالٍ
لحضـورِهِ الـنـفـيـسِ
فـي مَـجـالـسِـي
طـربُُ رؤوفُُ
وأنــسُُ عـابِــثْ
لـمـلامِـحـهِ الـمـرتـبـةِ..
كـأمـواجٍ هـادئــٍة
مـاءُ زمــزمٍ
وغـنْـجُ شـهــرزادَ
لـذكـريـاتـهِ الـمـْلـأى بالـنَّـيـازكِ
وقـعُ رقـَصـاتٍ
ونـثـيـثُُ ســلامٍ ..
فـأيـن تكـونُ ..
كـي أضُـمَّ أسـهَـاري
إلى سـريـرتـكْ
كـي أتَـراقـصَ كالـنُّـونِ
حـول حـوضـكَ
ومـلـكُـوتـكْ!
تــعــال ..
فـفِـي دفـاتِــري
بَـيـت بـهـيـجٌُ لـك ،
وأفــنـــانْ
أبـراجُُ تـلـوحُ سـكـرانـةً
وثــنـايَـا ألــحـانٍ
تـعــــال ..
نَـتـراقـصُ كالـسـنـابـلِ
حـول فـجـرٍ
نُـصلـي مـعـًا
كـمــروجٍ
نـضـحـكُ مـعـا كـصـمـتٍ
ثـم نــــذوبُ..
فـي شـفـــقٍ طـــارئْ.






تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث : قراءة في أزمة الذات في ادب نجيب محفوظ ومحمود المسعدي // مجيدة محمدي // تونس


مقدمة

لم يعد مفهوم الهزيمة في الأدب العربي الحديث محصورًا في دلالته السياسية أو العسكرية، بل اتّخذ أبعادًا أعمق، تمسّ بنية الوعي، وتكشف تصدّع العلاقة بين الذات والعالم. فالهزيمة، منذ منتصف القرن العشرين، غدت حالة وجودية مركّبة، يتداخل فيها التاريخي بالثقافي، والجماعي بالذاتي، ما جعل الأدب أحد أبرز الحقول التي استوعبت هذا التحوّل، لا بوصفه انعكاسًا مباشرًا للواقع، بل باعتباره فعلًا تأويليًا يعيد صياغة الخسارة في لغة، وصورة، وبنية سردية

في هذا السياق، تبرز أعمال نجيب محفوظ ومحمود المسعدي بوصفها نماذج دالّة على تحوّل الهزيمة من حدث خارجي إلى أزمة داخلية. فمحفوظ، في الشحّاذ وسلسلة رواياته التأملية، ينقل الصراع إلى داخل الذات الحديثة، حيث يصبح الانكسار فقدانًا للمعنى قبل أن يكون سقوطًا سياسيًا. أما المسعدي، في السد وحدّث أبو هريرة قال…، فيؤسّس لخطاب أدبي فلسفي يرى الهزيمة قدرًا أنطولوجيًا للإنسان في صراعه مع المطلق، والطبيعة، والوجود.

تهدف هذه الدراسة إلى تحليل تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث، من خلال مقاربة نموذجين سرديين مختلفين في اللغة والسياق، متقاطعين في الجوهر: أزمة الذات، وقلق المعنى، واستحالة الاكتمال

أولًا: الهزيمة بوصفها أزمة ذات في الأدب العربي الحديث

أسهمت التحوّلات السياسية والفكرية التي عرفها العالم العربي في تفكيك التصوّرات الكلاسيكية للذات، فبرز في الأدب نموذج الإنسان الممزّق بين وعيه النقدي وعجزه الوجودي. ولم تعد الهزيمة تُصوَّر بوصفها هزيمة جماعية فقط، بل كشرخ داخلي، يتجسّد في القلق، والضياع، والبحث العبثي عن المعنى


هذا التحوّل يجعل من الذات مركزًا للسرد، ويحوّل الأدب إلى مختبر لفحص الهزيمة في مستوياتها النفسية والفكرية، وهو ما يتجلّى بوضوح في روايات نجيب محفوظ ومحمود المسعدي

ثانيًا: نجيب محفوظ والهزيمة الداخلية للذات الحديثة

تُعدّ رواية الشحّاذ (1965) من أبرز النصوص التي عالجت الهزيمة بوصفها فراغًا وجوديًا. فالبطل، عمر الحمزاوي، ليس مهزومًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا، بل مثقف ناجح، غير أنّه يعاني خواءً داخليًا، وفقدانًا للغرض، ما يجعله شحّاذًا للمعنى لا للحياة

الهزيمة هنا ليست سقوطًا خارجيًا، بل عجز الذات عن التحقّق، وعن التوفيق بين الفكر والفعل. ويستمر هذا الهاجس في روايات محفوظ الأخرى مثل الطريق وثرثرة فوق النيل، حيث تتجلّى الهزيمة في صورة العبث، والانفصال عن الواقع، والانكفاء إلى اللامبالاة
يعتمد محفوظ سردًا نفسيًا وتأمليًا، يجعل من الشخصية فضاءً لتجلّي الانكسار، ومن المدينة الحديثة مسرحًا للضياع، وبذلك تتحوّل الرواية إلى نقد عميق للوعي العربي الحديث، الذي امتلك المعرفة، لكنه فقد البوصلة

ثالثًا: محمود المسعدي والهزيمة بوصفها قدرًا وجوديًا

على خلاف محفوظ، لا ينطلق محمود المسعدي من واقع اجتماعي مباشر، بل يؤسّس نصوصه على بعدٍ فلسفي وتجريدي. ففي السد، تتجلّى الهزيمة في صراع الإنسان مع الطبيعة، وفي وهم السيطرة على المصير. فالسدّ، بوصفه رمزًا، يتحوّل إلى تعبير عن طموح الإنسان المطلق، وعن حتمية سقوطه أمام قوانين الوجود

أما في حدّث أبو هريرة قال…، فتتخذ الهزيمة شكل قلق وجودي عميق، حيث يعيش البطل صراعًا بين الجسد والروح، وبين الرغبة والمعرفة. هنا، لا تكون الهزيمة نتيجة حدث، بل نتيجة وعي الإنسان بمحدوديته، وباستحالة الإمساك بالحقيقة الكاملة

لغة المسعدي المكثّفة، المشبعة بالبعد الفلسفي والتراثي، تجعل من الانكسار تجربة معرفية، لا مجرّد مأساة نفسية، وتمنح الهزيمة بُعدًا كونيًا يتجاوز السياق العربي المحلي

رابعًا: من الانكسار إلى مساءلة المعنى

على الرغم من اختلاف السياق والأسلوب، يلتقي محفوظ والمسعدي في جعل الهزيمة مدخلًا لمساءلة المعنى. فالهزيمة، في نصوصهما، ليست نهاية، بل لحظة وعي حاد، تكشف زيف اليقينيات السابقة، وتضع الإنسان أمام أسئلته العارية

وهكذا، يتحوّل الأدب من رصد للانكسار إلى فعل نقدي، يعيد التفكير في علاقة الإنسان بذاته وبالعالم، ويمنح الهزيمة وظيفة معرفية وجمالية في آن واحد

الخاتمة

تبيّن هذه القراءة أنّ تمثّلات الهزيمة والانكسار في الأدب العربي الحديث تتجاوز بعدها التاريخي، لتغدو تعبيرًا عن أزمة وجودية عميقة. ففي روايات نجيب محفوظ، تتجلّى الهزيمة في فراغ الذات الحديثة، وعجزها عن التوفيق بين الوعي والفعل. أما عند محمود المسعدي، فتتخذ الهزيمة بعدًا أنطولوجيًا، يكشف حدود الإنسان في مواجهته للمطلق والوجود
لقد أسهم هذا التناول في تحويل الأدب العربي الحديث إلى فضاء للتأمّل النقدي، لا في أسباب الهزيمة فحسب، بل في معناها الإنساني العميق. ومن ثمّ، يمكن القول إن الأدب، وإن كتب من موقع الانكسار، ظلّ قادرًا على إنتاج وعي جديد، يجعل من الهزيمة لحظة كشف، لا مجرّد سقوط

المراجع
نجيب محفوظ، الشحّاذ، دار الشروق، القاهرة.
نجيب محفوظ، ثرثرة فوق النيل، دار الشروق، القاهرة.
نجيب محفوظ، الطريق، دار الشروق، القاهرة.
محمود المسعدي، السد، الدار التونسية للنشر.
محمود المسعدي، حدّث أبو هريرة قال…، الدار التونسية للنشر.
فيصل درّاج، الرواية وتأويل التاريخ، المركز الثقافي العربي.
صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، عالم المعرفة.
عبد الله العروي، الأيديولوجيا العربية المعاصرة، المركز الثقافي العربي.
إدوارد سعيد، الثقافة والإمبريالية، ترجمة: كمال أبو ديب.