samedi 28 février 2026

وصايا كاتب في زمن الرداءة // إدريس الجرماطي // المغرب

 

ـ لا تدخل الكتابة إلا إذا كنت مستعداً للخسارة
الكتابة ليست نزهة لغوية، ولا عرضاً استعراضياً للبلاغة.
إنها مقام يُدفع فيه الكثير:
راحة، استقرار، صمتٌ كان يمكن أن يكون مريحاً.
في زمن الرداءة، أول ما تخسره هو القطيع.
وأول ما تكسبه هو نفسك.
من يكتب حقاً، يوقّع تنازلاً مبكراً عن التصفيق، ويستبدله بنداء داخلي يقول:
"كن صادقاً ولو بقيت وحدك."
ـ لا تثق في الضجيج
الرداءة لا تمشي على أطراف أصابعها، إنها تصرخ، تلمع، تتكاثر.
أما المعنى، فيمشي متخففاً، يشبه ناسكاً يحمل مصباحاً صغيراً في ممر طويل.
لا تنخدع بكثرة الضوء الاصطناعي، فالكتابة ليست ما يُرى سريعاً،
بل ما يبقى بعد انطفاء العروض.
ـ اكتب كأنك تُنقذ شيئاً من الغرق
في كل نصٍّ حقيقي محاولة إنقاذ:
طفولة، ذكرى، عدالة مؤجلة، أو إنسان يتعرض للطمس.
حين تكتب، لا تسأل:
"هل سيُعجبهم هذا؟"
بل اسأل:
"هل أنقذتُ به شيئاً من الضياع؟"
ـ لا تجعل من القلم سيفاً على الضعفاء
في زمن الرداءة يسهل أن تكون قاسياً، أن تهاجم لتُرى، أن تجرح لتُصفق لك الجموع.
لكن الكاتب الحقيقي لا يطعن الهشّ، بل يواجه الصلب.
قلمك ليس أداة انتقام، بل أداة كشف.
والكشف لا يحتاج إلى صراخ، بل إلى وضوح.
- احذر أن تتحول إلى موظف في اللغة
كما يذوب الفكر في الروتين، يمكن للكاتب أن يتحول إلى موظف إداري داخل جمله.
يكتب لأنه تعود أن يكتب، وينشر لأنه تعود أن يُنشر.
اخرج من العادة.
اكتب كما لو أن النص الأول لم يُكتب بعد.
كأنك تبدأ العالم من جديد.
ـ لا تخجل من حلمك الكبير
كل كاتب بدأ بحلم مستحيل.
أن يلامس أفقاً بعيداً، أن يكون صوته مسموعاً في خرائط أبعد من جغرافيته.
لكن الحلم لا يتحقق بالتقليد، بل بالعثور على نبرتك الخاصة.
اقرأ للكبار، لكن لا تسكن ظلالهم.
اصنع ظلك أنت.
ـ دافع عن الجنون النبيل
في زمن تُقاس فيه الأشياء بمعيار الربح، يبدو الكاتب مجنوناً.
لكن هناك نوعاً من الجنون هو أعلى درجات العقل:
أن ترفض الظلم ولو صفق له الجميع، أن تسائل البداهات، أن ترى في الهامش مركزاً مؤجلاً.
لا تخف أن يقال عنك: "حالم".
الخطر الحقيقي أن يقال: "منسجم تماماً مع الرداءة".
ـ لا تطلب الخلود… اطلب الصدق
الخلود ليس قراراً شخصياً، ولا جائزة تُمنح.
ما تستطيع التحكم فيه هو صدق اللحظة.
أن تكتب بما يشبه الاعتراف، لا بما يشبه الإعلان.
إن بقي نصك بعدك، فذلك شأن الزمن.
أما شأنك أنت، فهو أن لا تخون ما شعرت به حقاً.
ـ اجعل من العزلة حليفاً لا سجناً
ستحتاج إلى العزلة.
لكن لا تجعلها جداراً يفصلك عن الناس، بل نافذة تطل منها عليهم بعمق أكبر.
الكاتب الذي لا يحب البشر، لن يكتب عنهم بصدق.
والكاتب الذي يذوب فيهم تماماً، سيفقد المسافة التي يرى منها الصورة.
ـ تذكر أنك تكتب ضد النسيان
كل نص مقاومة للنسيان.
كل قصة شاهد صغير على زمن عابر.
كل جملة محاولة لترميم شرخ في ذاكرة الإنسان.
في زمن الرداءة، يُراد للناس أن ينسوا بسرعة،
أن يستهلكوا الفكرة كما يستهلكون خبراً عابراً.
أما أنت، فاكتب ما يستحق أن يُتذكر.
ـ لا تيأس من قلة القراءة
قد تشعر أنك تكتب في صحراء، أن الكلمات تتبخر قبل أن تجد قارئاً.
لكن الكتابة ليست سباق أرقام.
قارئ واحد يفهمك بعمق
أصدق من ألف عابر.
اكتب لذلك القارئ الذي لم يولد بعد، أو لذلك الذي يبحث عن جملة تنقذه في ليلة طويلة.
ـ وأخيراً… لا تتوقف
سيأتيك التعب، وسيهمس لك صوت خافت:
"ما الجدوى؟"
تذكر حينها لماذا بدأت.
تذكر الزورق الورقي الأول، والارتعاشة الأولى، واللحظة التي أدركت فيها أنك دخلت حرباً محبوبة.
الكتابة ليست طريقاً مفروشاً باليقين، بل درباً من الأسئلة.
وما دام السؤال حياً فيك، فأنت حي.
في زمن الرداءة، لا يكون الكاتب بطلاً، ولا قديساً، ولا نبياً. يكون فقط إنساناً يرفض أن يتخلى عن المعنى.
وهذه، في حد ذاتها، أعظم مقاومة.







Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.