mercredi 28 octobre 2020

بنية الصراع الطبقي في ق.ق."براغيث الأسفلت" للقاص المصري "اشرف عكاشة" // باسم عبد الكريم العراقي // العراق



القصة :
-------
ينهمر العرق من جبينه الكالح بغبار الأسفلت، كيسه البلاستيكي يكاد يخنقه، أثقلته حبات القمح، كنسها من بطن شاحنة تنهب الطريق ، يتوارى القمر خلف غيمات كئيبة، ما عادت ترق لوجه الحقول الذي شققته التجاعيد...
أنامله تيبست على مقبض باب الشاحنة الخلفي، تتسلل إليها رعشات متتالية تنبعث من صرخات معدته الخاوية، يرمقهم بعد أن قفزوا ولم يمهله السائق حتى يستجمع شجاعته ويلحق بهم، وفجأة ينفتح الباب وراح يطوحه ، فيرتطم بجانب الشاحنة تارة ، والأخرى يحاول أن يعيد الباب مغلقاً
ملتصق، به كوشم بارز، أنامله تضعف،
الصور تنهمر تتراءى أمام عينيه..
وجه ذاك العجوز تهلل عندما باعه بضعة أكيال من أسمدة، جمعها من بطن شاحنة أفرغت حمولتها في دوار العمدة، ودكانه العامرة وحدها بالتقاوي والأسمدة.
وجه (سوسة) الذي رباه وهو ينتزع منه حصيلة يومه ليشترى بها سجائره...
يساقط عرقه على جرح دام يكويه؛ فساخت روحه...
كادت أصابعه أن تنفلت،
صورتهم وهم متقنفذون على أنفسهم قبيل الغروب، وفي طيات الطريق المتعرج نتوء ممدد يخدش حياء السيارات الفارهة، ويرغم الشاحنات الضخمة أن تتهادى وهي تجتازه؛ فيقفزون جميعا فجأة، ليتشبثوا بمؤخرتها، يبتسم لـ(سوسة) وهما يمنيان النفس بطبق من البليلة الساخنة.
تنبت قاماتهم عند المطب ، ينفضون عنهم التراب، وحده مازال ملتصقاً بالباب، لاحوا كأشباح في مرآة السائق، فيستشيط غضباً، يجذب الفرامل صارخاً، فيرتطم الباب، وتدوي معه طقطقة عظام الصبي ، دماء سالت من رأسه لوثت صورة الزعيم الذي طاله سباب السائق - وكان من قبل يفاخر بها على شاحنته،
يسقط ...
يسقط،
تدهسه سيارة فارهة كانت تحاول المرور إلى جوار الشاحنة .
السيدة التي نزلت من السيارة الفارهة راحت بمنديل معطر تمسح دمعة فرت من أسفل نظارتها ثم أومأت لصاحبها إلى بقعة الدم التي لطخت وجه سيارتها ،
بينما العصافير التي أرقها صوت الفرملة عافت الحبات التي خالطتها الدماء.
--------------------------
الدراسة :
---------
تعتبر عتبة النص الادبي العنوانية نصاً موازياً له ، لتعالقها معه دلاليا ، واختزان سيميائيتها بعلامات ،رموز ، وتكثيف معنوي ، موحية ، ظاهرياً او إضماراً ، بقصديته / مغزى موضوعه ، قبل الشروع بقراءته، وتسهم في فك شيفراته وإزالة الغموض عنه، فهي بذلك تمثل المفتاح الإجرائي الذّي يساعد على فتح مغاليق النّص السّيميائية ( ألغاز أحداثه ، إيقاع انساقه الدّرامية ، توتّره السّردي ،وبنيته الخطابية ... الخ )،
وعتبة القصة العنوانية " براغيث الاسفلت " مشفرة دلالياً ،وللحصول على مفتاحيتها سأقوم بتفكيكها في ادناه:
اشارتا العنوان،ظاهرياً، متضادتان وغير متعالقتين دلالياً وكما يلي :
ـ براغيث : حشرات طفيلية تغذى على دماء الحيوان والانسان ، ناقلة لامراض خطيرة لمعيلها
والعبارة العنوانية سكتت عن نوع هذه البراغيث ،أهي مما تتطفل على الاول ام على الثاني ؟
ـ الاسفلت : مادة لإكساء الشوارع ، بغية تعبيدها لسير المركبات والعجلات بسهولة وأمان ، فهي غير حية / ميتة
فيكون تضايف هاتين الاشارتين ممتنعاً لخلو(الاسفلت )من الدماء.
مما يحملنا على المضي في تفكيك هذه الاشارة للتعرف على ماتضمره من دلالة :
تفكيك الاشارتين في اعلاه،انتج تعالقاً استعمالياً لكل منهما كما في هذه المقاربة :
ـ ركنا التعالق.. : الاسفلت / الشارع
مقاربة دلالته .. : كاسٍ / مكسو
نوعه...: تعالق موات
ـ ركنا التعالق.. : الشارع / الانسان
مقاربة دلالته .. : مسار/ سائر
نوعه ... : تعالق ميت / حي
فيكون الاسفلت ازاحة دلالية عن الشارع .
ويتوجب وجود(الدم) كمسوغ لانتفاء امتناع تضايف اشارتي العنوان .
و لإن الدم يسفك على الشارع بسبب حوادث الدهس والانقلاب التي تسببها وتتعرض لهاالمركبات ، وبحكم التعالق الاستعمالي بين الشارع والانسان ، كما في الجدول اعلاه ، يكون الدم المسفوك دماً انسانياً ، بذا عرفنا ان البراغيث هي من النوع الذي يتطفل على الانسان ، وهذا الدم لابد ان يسفك بغزارة ليتشربه الاسفلت كي يتحقق ذلك الانتفاء، ويغدو تضايف اشارتي العنوان معقولاً .
مقاربة الشارع / الحياة رمزياً :
الشارع كمسلك / مسار لانتقال الانسان مكزمانياً من نقطة الانطلاق / البداية ، الى نقطة التوقف / النهاية ، مروراً بمحطات ، مفاجآت ، موانع ،حواجز ، مخاطر ،..وغيرها مما هو متوقع / لامتوقع من احداث ، وهو بهذه الدلالات المخبوءة يقارب رمزياً الحياة . بما تعنيه من ولادةالانسان / بداية ، موته / نهاية ، ومابينهما ممايمر به في رحلته المكزمانية ( عمره ) من وقائع .
مما سلف تكون مقاربة شيفرة العنوان الدلالية :
الطفيلون المعتاشون على دم الناس
المتن :
القصة ذات خطاب تواصلي اركانه :
مرسِل(القاص ) ـ رسالة ـ سياق سردي اجتماعي ـ مرسَل اليه ( القارئ ).
سيميائية لغتها السردية تعبيرية قريبة لوعي القارئ تتكئ على :
أ ـ دلالات اشاراتها الجلية المعاني على سبيل الاستشهاد :
( كيسه البلاستيكي ، كنسها ، بطن شاحنة ، .. ،أكيال ، دوار العمدة، التقاوي ، الأسمدة ، البليلة ، طقطقة ،السيارة الفارهة، منديل معطر، لطّخت ،فرملة ،... ) بقصد وصول معنى القصة الكلي/ فكرتها بلا ايهام او غموض الى المتلقي، مع توفر عنصرِي الايحائة والرمزية المتولَّدين من تضايف بعض هذه الاشارات ، وتقابلية دلالاتها في النسيج السردي .
ب ـ طغيان صورها الواقعية الابعاد كما في :
(( وجه ذاك العجوز تهلل عندما باعه بضعة أكيال من أسمدة))/ (( لاحوا كأشباح في مرآة السائق، فيستشيط غضباً )).
بنائية الحدث القصصي :
ترتكز هذه البنائية على مفهوم الصراع،الظاهرالمعلن والباطن المسكوت عنه،بين رمزية شخصيات القصة الرئيسة والثانوية :
ـ شخصية القصة الرئيسة/ بطلها ،الصبي الذي يقص الراوي/الكاتب حكايته بحيادية بالاشارة اليه بصيغة ضمير الغائب (الهاء المتصلة )، وللصبي رمزية الامل و المستقبل الواعد .
مربع أبْعادِ هذه الشخصية:
سأستحضر صفات هذه الابعاد الاربعة من النص ،ثم مقاربتها معنوياً ،ومن بعدها احدد مكافئاتها الدلالية:
ـ البعد الزماني الداخلي / العمر : (( ..وتدوي معه طقطقة عظام الصبي )) / المقاربة :
مرحلة الطفولة المتأخرة .
المكافئ الدلالي : سلوكية غير معقلنة لعدم تكامل الوعي .
ـ البعد البدني :(( ينفتح الباب وراح يطوحه))/المقاربة: خفة الوزن
مكافئ المقاربة الدلالي : الوهن وضعف البنية
ـ البعد النفسي:(( يساقط عرقه على جرح دام يكويه؛ فساخت روحه)) / الألم العميق ، (( صرخات معدته الخاوية)) / المقاربة شدة الجوع
مكافئ المقاربتين :الشعور بالحرمان
ـ البعد الاجتماعي:(( جبينه الكالح بغبارالأسفلت )) / الكدح الممرغ بالشقاء
(( ينتزع منه حصيلة يومه ليشترى بها سجائره)) / مصادرة الجهود
(( فيقفزون جميعا فجأة، ليتشبثوا بمؤخرتها/ الشاحنات ))/ انتزاع لقمة العيش من فم الخطر المميت
(( يبتسم لـ(سوسة) وهما يمنيان النفس بطبق من البليلة الساخنة ))/ بسيط الاشياء حلم متمنى ((يسقط،تدهسه سيارة فارهة كانت تحاول المرور إلى جوار الشاحنة))/الموت ثمن سد الجوع
مكافئ المقاربات : الفقر المدقع
وباستدعاء صورة الحدث القصصي المكزمانية (( يتوارى القمر خلف غيمات كئيبة، ما عادت ترق لوجه الحقول الذي شققته التجاعيد...)) ، تتضح سوداوية ونضوب معالم حياة الطبقة الاجتماعية التي ينتمي اليها بطل قصتنا.
بتجميع المكافئات الدلالية اعلاه تتشكل بنيته الهوياتية :
سلوك غير معقلن + ضعف البنية +الحرمان +الفقر المدقع =انساناً فاقداً لأسباب الحياة الكريمة ،مفتقرا ًللتعليم.
المعادل السببي : بؤس + جهالة = تجاهل واحجام سلطوي عن القيام بمسؤولياتها
مقاربتها السوسيوسياسية : الطبقة الدنيا مهمشة سلطوياً
ويقابلها في بنية الحدث طبقة عليا ثرية يمثل شخوصها :
ـ العمدة / رمز السلطة الجائرة المحتكرة للثروة :((أكيال من أسمدة، جمعها من بطن شاحنة أفرغت حمولتها في دوار العمدة، ودكانه العامرة وحدها ))/ " وحدها" اشارة لأنانية العمدة / السلطة
المسكوت عنه : سلطة لايهمها ان يجوع الفقراء
ـ السيدةوصاحبها/ رمزية للااخلاقية وفساد هذه الطبقة ولاانسانيتها:
((السيدة التي نزلت من السيارةالفارهة راحت بمنديل معطر تمسح دمعة فرت من أسفل نظارتها ثم أومأت لصاحبها إلى بقعة الدم التي لطخت وجه سيارتها )) فالعطر ، وهو ذو دلالة ترفية ، يلازم حتى اشياءها البسيطة ( المنديل )، وهي ذات صحبة( صاحب )!! وهو غير الزوج او القريب / المقاربة : علاقة مشبوهة
ولاصلة وثيقة لدمعتها بموت من دهسته فقد يكون ما جعلها تفر من (أسفل نظارتها)مالحق ( وجه سيارتها) من تشوّهٍ بفعل(بقعة الدم)التي لطخته.
وكان لابد ان تتوسط بين تلكما الطبقتين طبقة اخرى ( الطبقة الوسطى )لاتمام مركبات بنية الهرم الاجتماعي للحدث ، واحكام حبكة صيرورته الصراعية، وهذه دلت عليها رمزية( سائق الشاحنة ).
ظاهرية الصراع والمسكوت عنه :
التمايز الطبقي خلق توتراً صراعياً مخبوءاً تحت ظاهر احداث القصةالفرعية/ مسكوتاًعنه، تمظهرت اطرافه في :
1ـ ظاهرياً :البطل يستعطي بطن شاحنة قمحاً لسد جوعه(( حبات القمح، كنسها من بطن شاحنة تنهب الطريق ))
يقابله تخمة دوار ودكان العمدة:(( شاحنة أفرغت حمولتها في دوار العمدة، ودكانه العامرة وحدها بالتقاوي والأسمدة))
المسكوت عنه :احتكار السلطة لأسباب العيش كيما تزيد من ثرائها، يكون على حساب حرمان وجوع الفقراء ، فهي سبب شقائهم .
2ـ ظاهرياً:البطل وصَحْبُه / الطبقة الدنيا ، يحاولون التعرض للشاحنات (( فيقفزون جميعا فجأة، ليتشبثوا بمؤخرتها/ مؤخرة الشاحنات الضخمة))،ولعله هو والآخر الذي معه يحصلان على مايسد جوعهما(( يبتسم لـ(سوسة) وهما يمنيان النفس بطبق من البليلة الساخنة))
المسكوت عنه : حلم الجياع بالشبع يدفعهم لمحاولة السطو على بعضٍ مما يعمر موائد الاثرياء/ الطبقة العليا
المكافئ السياسي : انتفاضة الجياع
3ـ ظاهرية دلالة سائق الشاحنة/الطبقة الوسطى: ـ غير متعاطف مع الطبقة الدنيا فهم في نظره (( لاحوا كأشباح ))في مرآته ، ولم يمهل البطل (( ... حتى يستجمع شجاعته ويلحق بهم ))، ـ يتسبب بمقتل الصبي (( فيستشيط غضباً، يجذب الفرامل صارخاً، فيرتطم الباب، وتدوي معه طقطقة عظام الصبي )) ، بالاشتراك مع مترفي الطبقة العليا (( يسقط، تدهسه سيارة فارهة كانت تحاول المرور إلى جوار الشاحنة )).
/ مقاربة التجاور : التقارب النفعي / الخدمة مقابل اجر ( يماثله في القصة نقل البضائع) ،او اضطراري ( توحّد مسارهما حياتياً) .
المسكوت عنه : انحياز السائق غائياً/ مصلحياً للطبقة العليا على حساب تلك الدنيا .
ـ لامبدئيته ولاانتمائيته (( دماء سالت من رأسه لوثت صورة الزعيم الذي طاله سباب السائق - وكان من قبل يفاخر بها على شاحنته))،
المقاربة : التزلف الزائف للسلطة برفع صورة زعيمها
المسكوت عنه : مآسي الفقراء فضحت شعاراتية الطبقة الوسطى ولاصدقية ولائها
بؤرة الحدث الدلالية : يتمركز قصصد القصة في بؤرة حدثها المضمرة تحت العبارة :
(( يسقط ...
يسقط ))
مقاربات بنياتها الدلالية والتركيبية :
ـ جملة فعلية (آنية ـ مستقبلية) الزمن / فعل مضارع مثبت مؤكدة بالتكرار، فاعلها ضمير الغائب المستتر رمز اليه الكاتب بثلاث نقاط بعد فعلها الاول ووضع فارزة ( ، ) بعد الثاني ليقطع الصلة ظاهرياً بينها وبين العبارة التي بعدها ( تدهسه سيارة ..)، سأؤجل امر تقديره لفقرة تالية .
ـ مكتوبة بايقاع شاقولي / عمودي لمشاكلة فعل السقوط بصرياً/ تشكيلياً من اعلى الى اسفل لتعميق وقع دلالته لدى المتلقي .
ـ جاءت العبارة بعد اسمين / الصبي والزعيم ، الاول لم يسقط وانما أُسقِط بفعل ( الفرملة) ومانتج عنها ، والثاني سقط اعتبارياً(( الزعيم الذي طاله سباب السائق ))، كما ان مقتل البطل من قبل رمزَي الطبقة العليا والوسطى بالتشارك ،اسقط القناع عن حقيقة السائق اللانتمائيته لكليهما،فهما من سقط .
خاتمة القصة (( بينما العصافير التي أرقها صوت الفرملة عافت الحبات التي خالطتها الدماء))
وبتشريح سريع لبعض اشاراتها :
ـ العصافير : رمز السلام والبراءة
ـ عافت : تركت وهجرت
ـ الحبات التي خالطتها الدماء: بالعودة لاحداث القصة هي ماكان الصبي يحملها في كيسه البلاستيكي واختلطت بدمه المسفوك.
مسكوتها الدلالي : ماجمعه من فائض موائد الاثرياء .
باستدعاء( صوت الفرملة ) تكون مقاربة دلالتها المضمرة :
السلام مطرود من حياة الفقراء فهي معجونة بالشقاء.
دلالة مقتل الصبي :
رمزية الصبي التي سبق الاشارة اليها، تنتفي بموته ، فلا يعود للطبقة الدنيا التي مثلّها في سياق الحدث القصصي ، املٌ في الخلاص من تلك (البراغيث )البشرية التي تعتاش على دمائهم ،متطفلة على حياتهم .





زمن من الوحل // طاهر مصطفى // العراق


عشر دقائق
تفصلني بين ماض ومستقبل
يهرول خلف قطيع الخيول
يسرح ويمرح في حقول خضراء
دموعها بعثرت كلمات بحر
سقطت على أوراق الوحل
لتحلق بنوارس البحر
تهبط على ارض الأمنيات
وتسير خلف ظلال كهل القامة
يجلس بين سيقان أشجار الصفصاف
وتسير بموعد قمري ينوح لثواني
لروح محار صغير يدور حول
أعوام رماد الأيام
فهبط في زبد الماء
دون خيار أو قرار
والريح تهرول خلف بقايا جدار
تعلق هزائم العمر على أسوار الرمال
وأعوام تسير ببطء تمدد اذرعها
فوق جبين الحكايات كانت وما زالت
تركض خلف خيول عنيده
هربت من حروف كتبت قصيدة
زاحمت سماءها صمت ظل
في جسد الزهور وينابيع حقول أرض
فقدت دمها في شوارع القبور.





mardi 27 octobre 2020

في غيابك...// علال الجعدوني // المغرب


في غيابك ...
أسجن في خربة جسدي
ألبس أشجانا بحجم كثافة سحب السماء
يتجمد لساني وتشل حروفي
تنفجر عيوني
على خدودي
سواقي وجع
تتصدع شرايين قلبي
فأتوه في غياهب التفكير
أجن جنون قيس ليلى
وعقلي منغمس في دوائر شواطئ المتمنيات
أرسم ألف حكاية وحكاية .
معتقل أنا
كطير مكسور الأجنحة
في قفص الأحزان .
في معركة الصبر
أتضرع إلى الرحمان كي أتخلص
من تفكير الألم
أحلم الإرتشاف
من تضاريس شفتيك
يا بلسم الروح .
حرريني من سجني
يا أيقونة العشق
أريد مزاحمة العصافير
قبل ما تنطفىء شمعة العمر
وأتحول إلى رماد ...





مجازفة // حسين حسين // تونس


سولت لي نفسي طرق باب الذكريات
فسمعت أصوات دفء خافت
قد انبجست من أمكنة قصية
راوغني إغراء جمال شخوص
تمثلت لي في عنفوان شبابها
و كدت أعود على بدء
وألج إلى هنااااااااك
قاطعا مسافات طويلة
و مخترقا طبقات زمن بعيد
تراكمت على رفوفه أغبرة كثيفة
لكن ها رياح الحاضر العنيف
تعصف بي و بالباب في مخيلتي
فتوقظني على جراح واقع أيامي
و على آلامي
و توصده ...





أماه...// أحمد خاليص // المغرب


انثالت علي أحزاني
ألمي المرير
المرير
و كل ما أضناني
آه أمي كم أعاني
لا مؤنس لي
إلا حنانك و رضاك
يا أمي
يا صيحة أعماقي
ها أنا كالأرض أدور حول نفسي
في الغربه
و أدور أخرى حولك و حول وطني
و الأحبة ..
أعدو وراء الذكريات
و أطارد جمال الكلمات
لأرسم قلبك
مادام لي قلب منه
يضمد الجروح
يواسي الأبرياء
و يأوي الغرباء
قلب مثل قلبك
تعبر منه عرائس الشعر
تشعلني شوقا
يعانقك يا مهد أسراري
يصنع من بعدك
يا " وجه أمتي "
ألف جناح
تبعدني عن وحشة الغربة
هنيهات
و في رؤاي تزهر بساتين مكناس
و يأخذني وحي الحب مغربيا
تنسيني عتمة الغربة الخرساء
أماه ..
إن للغة عينيك شعر
يؤنسني
يطهر روحي
يكفكف دمعتي
يقربني منك
و من الإنسان المقهور في وطني .





لا أنا ...!!! // أحمد المنصوري // المغرب

 

لا..
لستُ أنا..
أنا...لا..
أنا لا أبحثُ عن منْ يمدحني
أنا عاشقٌ ولهانْ
في دياجير التهميشِ المنيرةِ
تائهٌ معجبٌ حيرانْ
يُبهرني ضياؤهُ
لأنه كاشفُ الأسرار والأحزانْ
نَتعانقُ حتى الحلولْ
فتُشرقُ ابتسامةٌ
من قلبنا تولدُ
من شفتينا تبرقُ
من رؤيانا تنبجسُ وتتألقُ
كلُّ القوانينِ سقطتْ
بنداً بنداً هوتْ
وها أنا ذا بين نهديكِ
أغسل وجه القمرْ
بلجينِ لُجةٍ مجنونةٍ
قبل أن تندثرْ
مُشرقةٌ هي صرخات قلبي
هناكَ في المنفى السحيقْ
تَنسج من رحيق الليل الصديقْ
أنشودةَ موجٍ
في جبين الشمس تخفقُ
في محياها
تستحضر تاريخاً عريقْ
فيا أيها الرائي الأعمى!
دُلَّني على متاهةِ الناسك ِ
المترنِّحِ الحيرانْ
في دياجر الليل العميقْ
فمهيارُ ما ماتْ
لأنه جعل الموت حياةْ
تسري بين جثت التاريخ
وتبت نبض الأحلامْ
في كل الخلايا
التي لا تستكين ولا تنامْ
هكذا تحيي الأموات
وتبعثها من جمود السُّباتْ
فيا أيها الصديقْ..
الأخ..الرفيقْ..
بكل الأسماء والأشكال..
وكل المصطلحات
أنت في القلب جد عميقْ
وأنا الآن
أشهد أن عينيَّ قيثارةٌ
تنشد الأحزانْ
حزينة..عذبة
كسمفونيةِ الأحلامْ..
كرعشة الرؤى..
ونواحِ الرياحْ
فاسألْ
ما الذي رأتْ ْ؟
أو لم ترَ
زرقاءُ اليمامةِ
غير سرابٍ..ضباب ٍ
وانتشار يبابْ !
بَيْدَ أنِّي عبثاً
ُأبحرُ في يمٍ عميقْ
عبثاً..أسال
كيف يموتُ لوركا
وأجمل القصائد
من قلبه ِتنفجر
فهل موته لغز محير؟!!
أم أني..
مجرد معجبٍ متيمٍ عنيدْ ؟؟؟!!





ولد الهدى ..// محمد علوى // المغرب


سَعْدُ اٌلْيَوْمِ بَدَا شَادِيٌا
بِمَوْلِدِ اٌلْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ
بَشيرُ خَلْقِ اٌللهِ هادِياً
شَرِيفُ اٌلأَصْلِ اُلْمُمَجَّدِ
خاتَمُ اٌلنُّبُوَةِ طُبِعَ بادِياً
عَلى جَبينِ نَبِيٍ مُسَيَّدِ
وُلِدَ هُدىً لِلْحَقِّ قاضِياً
لِطَريقِ اٌلْإِسْلامِ اٌلْمُعَبَّدِ
مَلَّكْتَنا بَيْرَقَ اٌلْعِزِّ عالَياً
دائِمَ اٌلْكَرَمِ رَغيبَ اٌلْمَنْشَدِ
دينٌ سَناهُ لِلْبَرِيَةِ بادِياً
فَكانَ مِلَّةَ اٌللهِ اٌلْمُنْجِدِ
حُبُّكَ مَلَكَ قَلْبي رَضِياً
كَرُمْتَ نَبِياً خَيْرَ اٌلْمَوْلِدِ
صَدَحْتُ بِحَمْدِ اللهِ عالِياً
بِرَسولٍ كانَ خَيْرَ ماجِدِ
يا أَحْسَنَ اٌلْخَلْقِ مُجْزِياً
شَافعَا لِلْمُذْنِبِ وَ اٌلْحائِدِ
أَنْتَ نَبِيُ اٌلرِّحْمَةِ راعِياً
بِقُدْرَةِ اٌلله اٌلْعَلِيِ اٌلْواحِدِ
رَبُّ اٌلْعَرْشِ جِئْتُكَ باكِياً
اِغْفِرْ بِحَقِّ صَفِيِكَ مُحَمَّدِ.





lundi 26 octobre 2020

دراسة نقدية تحليلية لقصيدة" قولي مالحل "؟ للشاعرالعراقي محمد كريم راضي البديري // سماح لغريب // الجزائر


الشعر حالة وجدانية وفرصة لسكب ما يعتمل في الصدور، وما يجول في الخواطر ، وهو من أكثر وسائل التعبير شيوعا وتأثيرا على المجتمعات لما له من القداسة بين القديم والحديث ، كما أنه حس عال وخيال وتصور خصب مرهف وموهبة داخلية لإخراج نص جيد ..، كما قال الشاعر راشد عيسى " سيبقى الشعر حارس الفنون جميعا والمعبر الأول عن علاقة الوجدان بالوجود فلا التغيرات الاجتماعية ولا التحولات السياسية قادرة على إزاحة مكانته الفنية...، وأجمل الشعر ما فاضت منه العواطف الصادقة متأججا بالانفعال والحماس يشحذ الهمم ويحرك الوجدان ويطرب الآذان ويلهم النفوس .ولحبي الكبير للشعر الرومانسي ولتجربتي الشخصية في كتابة ما يجول في خاطري ويمس شغاف القلب ويقيني خالص بأن للشعر أهله من المبدعين المتميزين المجدين الذين يلونون سماءنا بطيب القول وجمال الحديث الذي يوقظ الوجدان ويحرك القلوب ومن هؤلاء الشعراء المبدعين الشاعر العراقي محمد كريم راضي البديري المتميز ذو الحس العالي ...، ولكون الشاعر من بيئة أدبية تتقن اللغة العربية الفصيحة منذ نعومة أظافره ، كما قالت الناقدة السورية عبير خالد يحي ..." يبدو أن الأمهات في بلاد الرافدين يرضعن ولدانهن أدبا "وذلك تجده عند كل أديب أو كاتب أو شاعر عراقي ، وقبل التطرق إلى دراسة بعض نصوص شاعرنا سنلقي الضوء على سيرته العطرة والتعرف على شخصيته وأهم صفاته وخصائصه
((سيرة شاعر ))
الشاعر محمد كريم راضي البديري
_ من الغريب أن تجد شاعرا يكتب الشعر ببراعة ذاع صيته وهو لم يدرس قواعد النظم ، ولا الأسس الأولية للعروض شاعر الفطرة محمد كريم البديري الملقب بالشاعر المتمرّد ...الذي تمرّد بشكل ملفت للنظر على كل مفاصل الظلم والاجحاف في وطنه… علم من أعلام بغداد شاعر من فحول شعرائها ولد بمحافظة القادسية وهي إحدى محافظات منطقة الفرات الأوسط في جنوب وسط العراق من عائلة محافظة سنة _1960 م _ درس بجامعة بغداد متحصل على/دبلوم تقني زراعي( بستنه وغابات) كتب الشعر بالفطرة وهي موهبة من الله له.....لقب ب(الشاعر المتمرد) محب للفنون بأنواعها عاشق الموسيقى والمسرح والفكاهة والألوان ...مرهف الحس رقيق القلب عذب الفكر يتمتع بروح الدعابة ذو ثقافة عالية ... له قصائد كثيره جدا شعبية، وغنائية في حب العراق، في الغزل والحب في الرثاء والهجاء . تم نشرها بعدة مجلات فكرية وادبية ونالت شهرة عالية. لم يرتبط شاعرنا ارتباطا رسميا بأي جهة ثقافيه بسبب ان هناك شروط عضويه لا تروق له كالارتباط بحركة سياسيه او دينيه... الخ خاصه في العراق… عاشق لوطنه بجنون، إنساني حد النخاع يكره التطرف والطائفية ، قصائده من اكثر القصائد المغناة من قبل اروع المطربين والفنانين واجودهم صوتا ونغما
وأجمل ما قال في الحب قصائد كثيرة منها علميني كيف أهدأ ، لا تقولي كيف نعشق ، دعيني أختلس الليل وقصائد في حب الوطن وهو شاعر غيور على وطنه وبني جلده ،متميز بأسلوبه ولغته الراقية
وقد اخترت للدراسة والتحليل قصيدة من قصائده الرائعة... قولي ما لحل؟
قولي ما الحل؟
قولي ما الحل فأشواقي
تجتــاح وتغزو أعماقي
تقتـــلع بعنفٍ أوردتي
وتثيــر الموج بأحداقي
زلـزال حبّــك زلزلني
وغدت لاتحملني ساقي
قد كنت كتوماً لا أُبدي
أو أُعلِنُ يوماً أشواقي
آهٍ من حبّك يفضحنــي
يا امرأة كانت ترياقي
ثملٌ في حبّكِ لن أصحو
في كل عروقي تنساقي
يااااااكل العمر ويا أُنسي
ياكل شــجوني ورفاقي
يابرداً وســـلام لنــار
شعواء قصدت إحراقي
مرحى لقدومك أســعدني
فعســاكِ لحضني تشتاقي
شــهم لا اتقن هجـرانا
صلبٌ تدفعني أخلاقي
مناسبة القصيدة
للشعر لواعج ، وللحب نار ولوعة ، والكثير منا جرب نار الحب وتمنى اللقيا والاجتماع فمدح وأثنى وتغزل وعشق ، إلا أن القيود والمسافات تفصل و تحول دون اللقاء فلا يملك إلا التأوه والتقلب والأرق ...، والكتابة والبوح هما المتنفس الأبقى فسلاما لما في الجعبة من الود والشوق والحنين القاتل الوهاج تنسكب على صفحات بيضاء يخط فيها الجمال والإبداع ويسمو فيها الخيال والعاطفة فيخرج نتاجا يكتب له الخلود
العنوان : قولي ماالحل؟
إن للعنوان دوره في فهم معنى النص؛ فهو المفتاح الذي نلج به إلى القصيدة ، العنصر الذي يجذ بنا إليه ويخلق فينا حرارة وشوقا نحو القصيدة وهو أيضا من العناصر المجاورة والموضحة له
وقد استهل الشاعر قصيدته بعنوان يخاطب فيه المحبوبة في جملة فعلية بفعل أمر " قولي " ثم يكمل المقطع في جملة استفهامية طلبية ما الحل ؟ جاذبا فكر المتلقي لمتابعة قراءة القصيدة ...ملتمسا بذلك المحبوبة في كيفية تجاوز مشكلة الغياب الذي يؤرقه ويحرق وجدانه ، كما يعد العنوان جزء من القصيدة يستهل به صدر البيت الأول فيحقق جمالية تركيبية في الربط بينه وبين مكونات البيت
فيأتي العنوان صريحا من أول كلماته وبهذا يبدوأن شاعرنا مازال متأثرا بقراءته أشعار السابقين عمالقة الشعر العربي في عصوره المختلفة حيث كان العرب لا يسمون قصائدهم ولا يعنونوها بل كانت قصائدهم تسمى بأسمائهم وتنسب لهم فيقال قصيدة الأخطل أو قصيدة بشار أو تنسب لقافيتها فيقال مثلا بائية البوصيري أو تنسب إلى أول ألفاظ البيت الأول وهكذا نجد عنوان قصيدة شاعرنا لايتضمنه النص بل يأتي صريحا من أول كلماته وبالرغم من ذلك فقد سحبنا انسيابيا لقراءة ومتابعة القصيدة ا
من الجانب التركيبي يضعنا العنوان في إشكال البحث عن تتمة مقنعة له في النص الشعري ، ثم التساؤل عمن يكون هذا المخاطب المفترض والمتمثل أساسا في المحبوبة ، مما يجعلنا نستنجد بالنص لمعرفة ما يتضمنه التساؤل وما أحوال الإجابة ، فالعنوان يشجعنا على تلقي النص ويحفزنا على استهلاكه وتناوله وهو بمثابة ترياق للمتلقي لفهم القصيدة
كما يبدو أن العنوان يتطلب من القارئ أن يقرأ القصيدة حتى النهاية ،فقد جاء العنوان كتعبير عن الحالة التي آل إليها من عذاب الحب والشوق للمحبوبة ، هذا المقطع الذي يتطلب إجابة من المحبوبة التي تعيش في مكنونات خياله ويتمنى نزولها إلى الواقع .
وهذا الخطاب الموجه إلى« الحبيبة »يحاول من خلاله إخبارها بما يكنه لها من الحب والشوق فهو عبارة عن تصريح ذاتي وجداني يثير انتباه المتلقي ...وفي العنوان حسرة وألم لوجود مشكل يتطلب حلا وصدى أمل يشع لظهور المحبوبة التي تغنى بحبها حيث أن هناك احتراق مقدس في حبها ينتظر فجرا جميلا
إن هذا النص الماثل بين أيدينا قصيدة شعرية متكونة من عشرة أبيات دلنا عليها الشكل الشعري والقافية والموسيقى وحرف الروي واتساق جمل وألفاظ القصيدة ، فالقصيدة وجدانية صور لنا الشاعر فيها كل ما يعتمل في نفسه من مشاعر الحب للحبيبة التي تعيش في ذهنه وعواطفه والتي تثير ملكته الشعرية فانطلق معبرا مطلقا العنان لدواخله كاشفا حالته النفسية وما يعتريه من انفعالات وأفكار متقدة في قصيدة "قافية "تنتهي بياء ساكنه محدثة نغما موسيقيا رنانا دالة على الحب العميق النابض يعبر عن شوقه للحبيبة وحبه الشديد في خيال ضارب في الأعماق بلغ الحدود بحكمة وذكاء وقدرة كبيرة على ترجمة أحاسيسه وأفكاره بطريقة سهلة ومفهومة ...،ويستمر الشاعر في مناجاة الحبيبة ووصف حبها المكنون بداخله هذه الحبيبة الغائبة التي لم يسعفه الحظ للقائها ولكن وعلى ما يبدو تظهر أخيرا في نهاية القصيدة فيرحب الشاعر بحلولها وحضورها ويعدها في ما معنى الكلام بعدم هجره لها وأن الهجر ونكران الحب الجميل ليست من صفاته وأخلاقه يقول :
مرحى لقدومك أسعدني
فعساك لحضني تشتاقي
شهم لا أتقن هجرانا
صلب تدفعني أخلاقي
فعلى أجنحة هذه القصيدة عاطفة جياشة تبث الحياة والحركة فهو يعشق الحياة والجمال يكتب بحرفية عالية مما أكسب القصيدة لغة حميمية منعشة وعذبة
- فالعاطفة الجياشة الصادقة هي التي تجعل الشعر قويا ونابضا بالحياة فيها تسمو بالقصيدة وتخلد الشعر ، والشاعر محمد كريم من الشعراء الذين ينتقون أنسب الأوقات للكتابة مستمتعا بتلك اللحظات الارتجالية العذبة ، فهو لا يكتب حين تنام الأفكار ويخمد الانفعال وتغيب العاطفة والخيال ولذلك نلمس في كل كتاباته عواطف حية صادقة جياشة معبرة عما يصوره وينبع من دواخله ويلهم أفكاره ، فالصدق والأحاسيس هي التي تؤجج العاطفة الشعرية وتنشط الفكر والذهن فيجود بأروع الكلمات والمعاني لذلك تلمس عاطفة حارة نابضة ناتجة عن صدق أحاسيسه
لقد أجاد وأبدع الشاعر في هذا النص الجميل والممتع وقدم فيه صورا شعرية أخذتنا إلى عالم الخيال الجميل الواسع الرحب المفتوح على مصرعيه
الصورة الشعرية
إن الصورة الشعرية هي معادل موضوعي للحالة النفسية التي يمر بها الشاعر ‘ فهو يعمد إلى التصوير لنقل أحاسيسه ومشاعره اتجاه الموقف الذي يرغب في تصويره للمتلقي ، وبما أن تصوير المشاعر لايتم إلا عن طريق الخيال يتجه الشاعر أساسا إلى إيجاد علاقات جديدة بين الألفاظ التي تشكل الصورة الشعرية فمن خلالها يتم تبادل الصفات المادية للمعنوية أو المعنوية للمادية ،أي أن الشاعر يحاول أن يضفي صفات منسجمة مع لحظة اتقاد الوجدان معبرا عنها بلمسات سحرية وقد طغت الصفات الإنسانية في التشخيص والتجسيم بطريقة إبداعية خلاقة يستنطق المعنوي ويضفي عليه صفة البشرية لكي تتناسب مع وجدانه فهو يشخص صوره ليعبر عن شعوره وانفعالاته وأحاسيسه فاتكأ شاعرنا على العديد من الصور البيانية التي تعج بها القصيدة كالاستعارة بأنواعها و التشبيه في قوله : ونرد بعض الأمثلة من القصيدة : أشواقي تجتاح وتغزو أعماقي
تقتلع بعنف أوردتي ...استعارة مكنية حيث شبه الأشواق بيد الانسان التي تغزو وتقتلع
والتشبيه البليغ في قوله يا امرأة كانت ترياقي شبه المرأة بالدواء فحذف الأداة ووجه الشبه
تثير الموج بأحداقي ....استعارة تصريحية حيث شبه الدموع بالموج فحذف المشبه وصرح بالمشبه به الموج
وكذلك استعارة مكنية في قوله وغدت لاتحملني ساقي ...
كماحرص الشاعر على تحسين الكلام باستخدامه بعض المحسنات البديعية كالسجع والجناس والطباق في قوله : أبدي ، اعلن.....بردا ، لنار ولكنه قليل ولاننكر أن المحسنات البديعية هي زخارف لفظية تجمل النص وتطرب الأذن حيث يمثل أثره في المعنى تأكيده وتوضيحه للمعاني ، ولانغفل عن كثرة استعماله للأفعال المضارعة مثل : تجتاح ، تغزو ، تقتلع ، تثير ، اعلن ، يفضحني ، ، لن أصحو ، تدفعني
الدالة على الحركية والحيوية واكتساب الحياة للأحداث ودوام حالته وهو بذلك يوضح ويصف حالته، أما عن الأسلوب فقد مزج بين الخبري والإنشائي ، الإنشائي في الأمر قولي ، والنداء يا امرأة ، يا كل شجوني ، يا بردا .... الدال على الود والجو الشعوري المسيطر
كما حرص على بروز الموسيقى والإيقاع كبروز القافية في القصيدة
القافية:
- إن للقافية دوراً بارزاً في إثراء النصوص الشعریة إيقاعيا لأنھا مجموعة من الأوزان لا تخرج عن حدود المعالجات العروضية
فضلاً عن وظیفتھا وظیفة إیقاعیة تحدث رنیناً وتثیر في النفس أنغاماً وأصداءً"
إذ لا بد أن یكون للقافیة (الفاعلة) معنى دلالي عمیق نابع من صمیم تجربة
وبتحقق ھاتین الوظیفتین تكون القافیة عاملاً مستقلاً لیس مكملاً تزیینیاً
وقد برزت القافية في القصيدة ...واقي ...داقي ...ساقي ...فاقي....وأحدثت نغما موسيقيا تطرب له الآذان
كما لايجب أن نغفل عن أن اختيار الشاعر الموسيقى من الوزن والقافية يبقى اختيارا عفويا منضبطا مبنيا على ما يمتلكه من خزين ثقافي يتيح له تلك الاختيارات التلقائية وإحساس الشاعر بها لحظة إنجاز عمله الإبداعي الشعري تعتمده الأذن الموسيقية في اختيارها ومقتضى طبيعة التجربة الشعرية ، وقد استعمل الشاعر دفقة شعرية تتردد في أواخر الأبيات أحدثت انسجاما صوتيا بين حروفها تحصر الشحنات الوجدانية للشاعر وقد أحدث حرف الروي المتمثل في حرف القاف المكسوروهو من الحروف المجهورة مخرجها بين عقدة اللسان وبين اللهاة و الذي طغى على القصيدة فبرز نغما متلاحقا عذبا حقق التأثير المطلوب في السامع
الجناس والسجع
ان للبدیع اللفظي صلة وثیقة بالإیقاع الداخلي للنصوص الأدبیة ، وھو یقوم على
"الوحدات الصوتیة المنطوقة بذاتھا ،لذا فھو یمثل الجانب الصوتي المعلن من النص
وبذلك یعد تفنناً في طرق تردید الأصوات في الكلام ، وما ینتج عنھا من أنغام الإيقاع الشعري"
أي أن الإيقاع الداخلي للنص والموسيقى، تطرب له الآذان ،وتستمتع به الأسماع
واللعب باللغة جوھر العمل الأدبي ،والشعر خاصة" نظمھا، وترتیبھا ، وتنسیقھا من أثر وفاعلیة في اضفاء صفة إیقاعیة ودلالیة على النص؛
وبذلك یكون للقواعد التنظیمیة(المحسنات البدیعیة) البلاغة العربیة بالمحسنات البدیعیة
دور بارزا في إثراء وتعزیز موسیقى النصوص الأدبیة ؛ لأنھا تردید للأصوات في الكلام على وجه التناسق والتناوب ،الذي يعمل على رفع الزخم الموسیقي ،والإیقاعي للكلام
وما الجناس والسجع إلا إحدى القواعد التنظیمیة ،التي تثري النص إیقاعیاً ،إذا ما وظفت
توظیفاً فنیاً مناسباً ،وھو مجيء كلمة "تجانس أخرى في بیت شعر أو كلام
فالجناس والسجع یُحدِثان جمالیة موسیقیة داخلیة في النص الأدبي ،إذا ما جاء عفویاً من غیر
قصد أو تكلف؛ لأن "التجاوب الموسیقي الصادر من تماثل الكلمات تماثلاً كاملاً أو ناقصاً یطرب
وقد أورد الشاعر السجع في القصيدة لكنه قليل
لیزید من موسیقیة النص الشعری ،ومن نماذج ذلك
في القصیدة أشواقي ، أعماقي ونستطيع أيضا أن نقول عنه أنه جناس لتشابه اللفظين واختلافهما في المعنى ونظرا لتشابه أثرهما في المعنى
المعجم الشعري
اللغة هي الوسيلة الأولى لعملية التواصل مع الآخرين، غير أنها تتعدَّى وظيفتها الاجتماعية المحدودةَ هذه، فتشكِّل الأساس في عملية بناء القصيدة؛ إذ تمثِّل الطريق الموصلة بين المبدع والمتلقِّي، فتؤدي بذلك وظيفةً أخرى، تتمثَّل في إيجاد روابطَ انفعالية بينهما، فتتَجاوز بذلك لغة التقرير إلى لغة التعبير، وتسعى للكشف عن العواطف والأحاسيس، والانفعالات الكامنة في قلب الشاعر، ومحاولة إيصالها في نفس المتلقي
فقد شيد الشاعر بناءه الشعري بوضع ألفاظ قوية التأثير ينتقي من معجمه الألفاظ والمفردات المختلفة الرصينة الموحية والمعبرة بقوة ، المؤثرة في نفس المتلقي رغم بساطتها وسهولتها بحيث لا يلجأ القارئ إلى شرحها فاللغة وعاء صب فيها الشاعر شعوره وأحاسيسه فتولدت طاقة تعبيرية كبيرة عن المشاعر التي يعج بها العالم الداخلي للذات فشاعت في هذه القصيدة مجموعة من الألفاظ التي ارتبطت بتجاربه الوجدانية العاطفية من هذه الألفاظ من معجم الذات : أشواقي أوردتي ، حبك أعماقي ، أحداقي أنسي ...،يرسم بها لوعة القلب العاشق
يسعى الشاعر في قصيدته هذه إلى لغةٍ شفافة تعتمد على الوضوح ؛ فهي لغة تكاد تكون خاصة بالشاعر، لغة تنطلق من وجدانه ومن وعي الشاعر بأدواته الفنيَّة، فالنظر في التجربة الشعوريَّة وفَهم الحالة الذهنية لقصيدةٍ ما يتطلَّب القدرة على الانغماس في العالم النفسي للشاعر واستحضار حالته النفسية من خلال كتابته لهذه القصيدة، وفَهمُ الحالة الذهنية تَعني القدرة على استعادة الجوِّ الشعوري ومُعايَشتِه من جديد
وفي الأخير نحن أمام نص رائع يفيض جمالا وتأنقا وبهذا أعتذر من الشاعر عن التقصيرفي الغوص في مكنونات القصيدة و لا يسعني إلا أن أشهد له بذوقه العالي وسعة ثقافته وحبه للغة والشعر وجودة أدائه فهو يستحق لقب الشاعر المتميز كما أتمنى له التوفيق في مسيرته وتبليغ رسالته.