mercredi 12 février 2025

تائه دون خيل // محمد لغريسي // المغرب


لا صباحا يملأ الكأس
لا شوارع تمشي مخمورة
إلى زخارف الروح
أرملة أضاعت وشاحها :
تلك البيوت !
وانا..أتفحص السبيل
فيلتهمني صمت
واغتراب
وأنا فوق هذه الأرض الضحلة
ليس لي سنونو..فيضمني
أو أفقا رحيبا ،
فيسمي أسفاري
شجر يتوسل حبة أسبرين
وجوه تتسول بقايا الخزف
موت له الحظوة
سراب له المرتبة!
أنا الغريب
أرنو إلى المروج كي أتوسد
غنجها
فتتحطم على خيمتي
معادن ثقيلة
وقلعة زنجية يفترس سدرها
ماقل من فنجاني
ثم تبيعني عقيدتها.. للمتاهات
انا التائه دون باب
أو خيل
أتتبع ما يشع
فلا تلمس أعشاب الأرض
يدي
أريد أن أبكي ..
فيحضن الصخر الخفقان
أريد أن أبتسم
فلا تزدهر عصفورة المسيح
لا ومضة تقبل شفتي
حتى الموت
لا فراشات حمقاء.. تحط أسمالها
على قبب الإسم
لا نثيثا يخترق حقا غشاوة المدى
فتزأر المصابيح .








إلى عاشقة الليل // أحمد خاليص // المغرب


لا رفيق سوى العشق
جلال الدين الرومي
****************************
ثمل أنا بعبيرك الذي يرافقني
ثمل بشوقي إليك
لأنك تسكنين ذاكرتي
يا أغنيتي الغجرية
يا منى نفسي
و يا لوعتي
ثمل بشوقي إلى بسمتك الحالمة
لأتلف وحدتي بصفائها
و ألثم رحيق شفتيك
دعوتك ،
فلبيت دعوتي
و كما يطلع الفجر
و إشراقة يوم العيد
زرتني
ذبنا في عناق طويل
و قبل
كان لرياك لحن يلهمني
يحملني إلى دنيا أخرى
أجمل
أحلى
و أشهى من الجنة
صلينا يا ملاكي
و دعونا أن يخلد حبنا
أسكرنا اللقاء
و حين صحونا
كنا نردد
لقد بددنا المستحيل
فكنت محراب حبي
و ابتهالات عشقي
و ترياقا لقلبي العليل
كنت شعرا فاح منه سحر الربيع
يا أريج الأزهار و الورود
يا سر مهجتي
و كل الشعر
أنت يا قيثارة الوحي و الحب
و كل إلهامي .







mardi 11 février 2025

إطلالات من النافذة ( قصة قصيرة) // محمد الكروي // المغرب


على ظلال غابة أشجار النخيل و وشوشات جريدها إثر هبة تلاطف الحياة، بين الحقول ومن كل الجهات الأربع شامخا يتجلى القصر ذو المدخل القوسي الكبير تعلوه نقوش على دفتي باب توقفتا عن انفتاح الصباح وإغلاق المساء استسلاما لسبات عميق استطابت التمادي فيه حكايات الاجيال المتعاقبة فوق مجلسي / دكانتي المدخل ،إحاطة نوافذ وكوى تختلس النظر إلى فتنة الجمال العابر، يتنفس السور مفرجا عن همومه وأحلامه هواء نقيا يتلو دبيب الشمش شروقا وغروبا بساط أسطح متجاورة شهدت سمر ليالي الصيف الساخنة وتقدم أو تراجع انحناء الكرة الصفراء المعلنة عن أفق الفصل الموالي المتحين في تربص أسد جائع يركض وخلف تل على أربع يزحف إطلالة وانقضاضا خانقا في رمشة عين.
غعجابا مال خفق جميلة ذات الأربعة عشر ربيعا نحو الجار عبد الرزاق ذي العشرين عاما ،يحلم كأترابه بفارسة الأحلام فيجد من أجل لقمة أبوين وأختين متنقلا بين حفر ساس ورص لبنات أو إصلاح وترميم مسكن يفيان بضروري العيش إلى نزر قليل يحول دون مد اليد وذبول الوجه أول عثرة بسيطة .
مع لمح قد جميلة الفتي الرشيق أو سماع نبرة صوتها العذب والتفاتتها الخاطفة القاطفة لنظرة مليحة تتيه ودروب الخيال المشعة نورا وبهاء، يخف العناء وتشرع نوافد الأمل وعبد الرزاق استرخاء مسائي يحملق في خشيبات السقف الممددة جنبا إلى جنب طلاء ذهبيا، يعدها صعودا ونزولا تجزية للوقت الذي يرجى من تكتكاته أن تسرع التحام الجفنين غمضا مريحا ورديا. خلال سنة واحدة اكتمل نمو جسد جميلة صدرا وأردافا ومسدولا ناعما أسودا زينة رأس فطن حدق الشغل اليومي من تخبيز وطهي وغسيل وخياطة ما تآكل أو انفراط من خيط عباءة وجلباب وسروال وجوارب وغزل ونسيج بوأوها القدرة على تحمل مسؤولية تدبير شؤون البيت الأمر الذي استرعى انتباه الجوار فتناقل اجتهاد وأخلاق وحسن الأيقونة جميلة .
من مسافة بعيدة والفرح موائد عقيقة كشفت أم علال عن حلمها وهي تأخذ وترد في الكلام مع إحدى قريباتها :
- نفسي أن أتبين الطريق إلى عروسة تتحمل معي مشاق الدار الكثيرة المكرورة .
- كاااينة اعمتي شاطرة وخدامة وزينة ومصوابة .
- فين ؟
-عند جيرااانا فلقصر.
- واهلها ؟
- ناس معقول ، الله اعمرها دار.
إلى زوجها وولديها وبنتيها الصغيرتين تزف البشرى ، المباركة صمتا خجولا من لدن علال غير القادر على رفع بصره عن الأرض، وبهجة أضاءت الوجوه وتهادت الأجساد حيوية ونشاطا ، توجتهما الأم زغرودة لها تجاوبت أرجاء الدار رباعية السواري.
وسط ترحاب كبير وجولات كؤوس الشاي والحلويات وما لذ من لحم ومرق تمت خطبة جميلة الحاضرة الغائبة وكأن الأمر لا يخصها لا من قريب ولا من بعيد. ضاقت الدائرة بالجارين الحالمين بيوم المنى كل من ركنه على قناعة من نظرة تتكلم الإعجاب وتفتق زهرة الهوى ذات الأشواك المؤلمة. في غمرة الحيرة والأمل المخطوف والتردد الذي عرفته النظرات المتقاسمة في إبداء إحساسهما ،كان الاستعداد للعرس فساتين وسريدات وأحذية وعطورا وأساور وأقراطا وفراشا وثيرا وأغطية صوفية وأواني نحاسية ومرآة كبيرة منقوشة الإطار صفراؤه ،كل هذا الكشكول الفسيفسائي العبق جدة والمشع بريقا يغري بالاحتضان تستهين به جميلة لأنه ليس من أجل من دغدغ النجوى.
صدح ورقص الحفل في بيت أهل جميلة وساعد على إشعاعه كثرة المدعوين والزغاريد المسترسلة والصواني اللماعة والموائد الدسمة رفقة جوق نسائي لا يكاد يرتاح قليلا حتي يستنهظه صوت مرح كثيرا ما تطلع إلى هذه المناسبة وهو يحث ويشحد همم الأخريات مرددا:
-ألي ما اشطح ما غنى أبحالو أبحال القَلة...كل شيء تحلى بلباس الغبطة والسرور: من حركات وسكنات ودردشات ورموش سوداء وخدود التفاح وضحكات دلال مغناجة تفوح عطرا شذيا إلى قهقهات جلابيب بيضاء تؤنسها بحة تعتصر المحيا شقائق نعمان، ما عدا جميلة الجريحة الفؤاد والتي يخالها الجميع تخفي فرحتها خجلا وتأدبا كما هي العادة في مثل هذا المنعطف الحرج .
من فرح أهل العروسة إلى فرح أهل العريس باردة كالثلج وكاظمة غيظها انتقلت جميلة وسط أضواء بيضاء تعلو أربعة رؤوس لا تتأخر عن النفخ وإضافة الغاز والاذن شدو قصبتين تمرحهما قطع نحاسية صفراء وحمراء كخواتم تخض أنفاسها الشجية الروح وعن الليالي تنفضان رمال الزمان بمعية بنادير ودرابك وصوتين دافئين لهما تصفق الأيادي و تصيح الحناجر وترف الأغرودات وموجات متتالية من الصلاة على ابي فاطما، في تأمل تصغي جميلة إلى ما حولها ومن أجلها من هرج ومرج وحبور وهي في منأى عنه وكأنه لواحدة أخرى فيتضاعف قلقها وحزنها ضمن أناس كان أولى لو أن أحدهم أو إحداهن عرفت قراءة صفحة الوجه وإيحاءاته المنشغلة في كيفية الخروج من هذه الحالة غير المحتملة من قلب مكسور يلهوقربها سرورا بهيجا يود لو طال إلى أبد الآبدين . واجمة و محمولة كغزالة تدخل الغرفة وقد أتخذت قرار ألا يمسها او يقترب منها من عقد عليها وفاء وإخلاصا لإحساس وشعور مفاجئين انسابا وداعبا الخفق بأجنحتهما الملائكية الفاتنة .شوقا ولهفة واستطلاعا لوجه رفيقة العمر اقترب العريس من عروسته بعد صلاة ركعتين حمدا وشكرا لله على نعمه ،و باب الغرفة أهازيج وأمداح ونقر تعارج تحاول أن تعاند التعب والسهر عبر دفعة لملمت قوتها لا تلبث أن تنكمش عياء في انتظار أن يمد السروال موشحا بخيط أرجواني يشهد بسلامة الزوجين ،ذلك ما لم تسمح به العروسة التي نالت مرادها عقب كلمة واحدة قاطعة :
- ما اتقربليش .
كالماء في الجدول جرى الكلام على الألسن ثلاثة أيام طوال لاحظ أثناءها العريس حرص العروسة على إطلالات من النافذة تعود منها كل مرة مكفهرة الوجه ليبادرها :
- واش كتسني شواحد ؟
-
-كتبغي شواحد أخر ؟
-
- عليك الأمان إلى كان عقلك لغيري .
في بطء السلحفاة كان حبو الأيام الثلاثة التي لم تفض إطلالات النافذة بين اللحظة والأخرى الى ما يبهج المراد ويزيل صخرة أرهقت كثيرجسدا طريا في عمر الزهور فبات حملها المضني يدفعه في نزاع مرير إلى التخلص منها .مساء اليوم الأخير من الحفل قبل العصر وفي محاولة يائسة أطل الوجه شراعا تتقاذفه الأمواج يمينا ويسارا على أمل ان ينال مبتغاه إلا أن الخيبة المرة تكلمت أساريرها غمامة دكناء، أفرجها العريس بلطف وأدب :
- هذا اليوم الثالث وانت غاديا جايا من النافذة بلا فايدة ،راه ذاك الي كتبغيه تخلى عليك وما كلف راسو حتى يظهرولو مرة وحدة ..خلفت هذه الكلمة القصيرة جدا أثرا بليغا في داخلها أجبرها على التوقف والتأمل و نسج حوار باطني وكل كلمة مما فاه بها العريس وخاصة الجملة الاخيرة :
ما كلف راسو حتى يظهر ..
- كفى من اللف والدوران .
- احشم اشويش.
-هيا نلحقو ما فاتنا قبل ما افوت الوقت اكثر ما هو فايت.
كحمام ابيض جريح طال انتظاره أطل السروال بغتة فتعالت الزغاريد ورقص الشباب وتطايرت الطواقي والرزز في السماء وأولم الأب بعد ذبح سمين واستمر الدف والردح والمزمار والنقر عودا ودرابك ثلاثة أيام بلياليها .





مع ظله // محمد العلوي امحمدي // المغرب

 

Avec son ombre
Ils courent derrière le ballon
Soudain, l'ombre chute.
مع ظلّه
يركضان خلف الكرة
وفجأة يسقط الظل.
André Breton cherche
L'or du temps,
Moi, je cherche son épée
Pour la briser enfin.
أندريه بروتون يبحث
عن ذهب الزمن
وأنا أبحث عن سيفه
لأكسره.
Je m'interroge :
L'olivier fleurirait-il
Sans oublier Gaza
أتساءل:
هل يزهر الزيتون
دون أن ينسى غزّة.
Fusil à baïonnette
Lève un drapeau blanc
Devant une colombe.
بندقية بحربة
ترفع راية بيضاء
عند مرور حمامة.
Lune assombrie
Par la fumée d'incendie
La guerre.
قمر دامس
بدخان الحرائق
الحرب.








lundi 10 février 2025

أمنيات ليست لي // يحيى موطوال // المغرب

 

هذا رأسي
مثقلٌ
بضجيج الأسئلة .
هذا أنا
أنتظرُ
حلمًا محشوًّا بالفراغ ،
صورةٌ ممزّقة
نصٌّ لم يكتمل
سهرٌ شجي
لليلٍ مرعب .
في دواخلي
كائنٌ
يسجنُه الهروب ،
طارئٌ
يندسُّ غبارَ مجاز
في عيني البياض .
هذا وجهي
يصيرُ رمادًا
تذرُّه الريح باستياء
في كل الاتجاهات ،
أملٌ خاب ظنُّه
في الوصول
فصارَ ضجرًا محنّطًا
في حوض اللامعنى .
ثأرٌ دونَ وطن
ابتلعته الحسرة
علقم انصراف .
وحدي أدافعُ
عن أمنيات ليست لي ،
لا مسافة
تكفي لهذا النحيب
لا عناق
يضمّد أفراح الهزائم
فقط إيحاءات
وكثيرٌ من التَّلاشي .
كم أنت وحيد
أيها القلب .





jeudi 6 février 2025

كأي خائب // إدريس سراج // المغرب

 


كأي خائب
البحر
و ما دونه ضجر
و هدر رخيص
ربما رماد خائب
يكسو
الكون البليد
و كأي خائب أيضا
ألوك رغباتي
و شھواتي
و ألقي بھا
في لجة الفوضى
والغياب
قد يداھمني التعب
فأنام على صخرة الحزن
أو غيمة الحروف
و قد يستعصي البوح
فأرمم الحروف
بصور الحلم الفائت
تركت جلي
خلف ظھري
تركتني
في أمسي
و سرت إلى
مجھولي
بخطى واثق
من عبث الآتي
يتلاشى النور العابر
الذي تتمسك به الروح
ينتھي كل شيء
تنطفئ الأضواء
تسدل الستائر
و ينتھي المشھد
تنسحب الحواس فرادى
و يعم صمت القبور
تنبهت عند آخر النفق
رجة تتبعها سقطة
تفتحت الحواس
ارتج القلب
واشتعل الحنين
لكن
البقاء و الدوام للأغبى
فما أنا مرتق إلى السماء
و ما أنا بنازل إلى الأرض
أتأرجح بين المنزلتين
أدون الخيبات
و سقوط العاشقين
شطحات الزاھدين
و عثرات الشعراء
و الملحدين
لا أبالي بالممكن
و أطلب المستحيل
أخطأت اختياراتي
أعلم ذلك
فلا تذكرني أكثر
أيها الوجود الخبيث
و ھذه الخسارات
قتلت مني الكثير
لم أعلم أن
ما ادخرته من توھج
سينفد في لمح البصر
خسرت الأرض و من عليھا
و قد أخسر السماء و من فيھا
و الساعة قائمة لا محالة
و قد استوى و فاق
الذين لا يعلمون
و الذين يعلمون
و أتوارى كما ھي عادتي
خلف أحلامي
لأدخر حروفي
فلا يبتزني يومي الخبيث
و تشرد الصور
في سراب الأمكنة
و خراب الأزمنة .........







mardi 4 février 2025

الريح // نور الدين الزغموتي // المغرب

 

ذات ريح خبيثة
اهتزت التنورة
فأفشت عن حروف أغنية صامتة،
وتحركت النزوة بألف أمنية... من تكون؟
أميرة من كتاب ترسم حكاية نجلاء
لعشق أشد قسوة،
ثم... حدثني صاحبي عن مرمرٍ
عن شيء شامخ في الأزل.
"عشقت" قالها بمرضٍ..
أنا خادم نجار
لا حول لي ولا أكاد أذكر القوة
نهائيا إلا لخصلات حلم
في آخر الليل المتقلب
في صور النفس البسيطة جدا.
لا أملك إلا جلدي الواهن في هذه الصباحات
المتكررة بضربات المطرقة
على مسمار بريء فوق خشبة
كيف أسير وقد رأيت مارأيت
و أتفاعل مع رائحة النهار
وكان الزوال منتصفا
يندس مرة أخرى في غفلة عني...
آه كم تعب مني الطين،
ولم أتفيئ قط في هذه البساتين
أصرف ساعات يومي
لدرجات الخبز الأدنى
فقط.... فكيف أشعر
بحالة وجد النسيم.







dimanche 2 février 2025

نغمة الهجهوج (قصة قصيرة) // محمد بوعمران // المغرب

 

أتعبه الجلوس على الكرسي، تنمّلت قدماه، الأوراق تتحداه ببياضها والقلم يرتجف بين أنامله كما ترتجف العبارات في ذهنه. يكتب جملة ثم يكمش الورقة ويرميها أرضا، تراكمت الأوراق تحت قدميه، لكنه لم يهتد إلى بداية تفك أسر التعبير...
كان يعتقد أن الحالة عابرة، لكن ساعات الانتظار طالت وتحولت إلى أيام وشهور، لفه اليأس، وأصبح يبحث عن حل للتخلص من هذه الرغبة كي يعيش كالآخرين...
تحول من شخص مقبل على الحياة لا تغادر محياه الابتسامة إلى شخص منطو على نفسه، سريع الانفعال. لم يبح بسر معاناته لأحد، وكلما سئل عن حاله اختصر الجواب قائلا: "شيء من التعب" وعاد لصمته...
******
حُفت جوانب فناء المنزل الفسيح بالجالسين، بينما شكّل أفراد الفرقة الموسيقية دائرة في وسطه. لم تكن المناسبة احتفالاً عادياً، بل طقسًا صوفيًا تحييه فرقة "غناوة". فوجئ عمر حين دخل هذا المكان، فلم يكن يتصور أن صديقه حسن سيأتي به إلى هنا. لكنه خضع للأمر الواقع، فهو في حاجة للتغيير...
جلس عمر وصديقه بين الحاضرين، فابتسم حسن وقال له:
-هنا سترتاح، يا أستاذ عمر... ستنسى همومك، وتعود إليك بسمتك.
أحس عمر بقشعريرة تسري في جسده حين ترددت أصوات الحاضرين تصلي على النبي بصوت مرتفع: "اللهم صلِّ على رسول الله"، ثلاث مرات اهتزت لها جدران البيت. كانت هذه الصلاة إعلانًا لبداية "الليلة"...
******
عزف الهجهوج على إيقاع الطبول والقراقب الحديدية، وأناشيد "غناوة" التي تتخللها صرخات عميقة، ودخان البخور المتصاعد الذي يخفي ملامح العازفين المتمايلين مع النغمات، خلق جوًا روحانيًا أخاذًا. بعض الحاضرين اكتفوا بتحريك رؤوسهم، بينما انخرط آخرون في الرقص، أجسادهم ترتجّ مع الإيقاع، تنخفض وتعلو في انسجام تام...
عُرف عمر باتزانه وهدوئه، لكنه هذه الليلة بدا مختلفًا تمامًا. فجأة، أغمض عينيه، خفف من لباسه، نزع حذاءه، واتجه إلى وسط الحلقة، حيث صار يحاور العازفين بلغة الجسد. كان رقصه مثيرًا للإعجاب والدهشة، فقد رفع يده اليمنى، يحركها من اليمين إلى اليسار، وكأنه يكتب بقلم وهمي في الفضاء، يساير الإيقاع كما لو كان هو من يقوده...
تقدم أحد أفراد الفرقة، وضع في يده قلمًا من قصب، وأمامه محبرة وأوراق بيضاء. جلس عمر القرفصاء، غمس القلم في المحبرة، وبدأ يرسم خطوطًا ورموزًا وأشكالًا سوداء على الورق، متناغمًا مع العزف في حركات متزنة. نظر إليه حسن باندهاش، لم يكن يتوقع أن صديقه سيندمج بهذه الطريقة، لكنه أدرك أنها ربما تكون وسيلة لخلاصه من الأرواح الشريرة التي غيرت حاله...
ما لبث عمر أن وقع أرضًا مغمى عليه وسط العازفين، فغطوه بثوب أحمر، ورشوه بماء الزهر، وأحاطوه بالبخور. وبعد أن هدأ المكان وتوقف العزف، استعاد وعيه. نظر حوله بحيرة، ثم نهض واتجه نحو صديقه حسن وسط تهليل الحاضرين...
- ماذا حلَّ بي يا حسن؟ أشعر وكأني استيقظت من نوم عميق...كان الحلم جميلا...
سأله حسن وهو يساعده في ارتداء معطفه:
- وكيف تشعر الآن؟
- أحس وكأني تخلصت من حمل ثقيل...
******
الآن، يجلس عمر كعادته على كرسي مكتبه، واضعًا السماعات على أذنيه، يتمايل مع أنغام الهجهوج، مستعيدًا لحظات الليلة الماضية. كانت الأوراق أمامه مملوءة بالرموز والخطوط، تشبه تلك التي رسمها بالأمس. تأملها، وأدرك أنها تعبيره الصادق، لغته الداخلية التي تفوق الكلمات...
اقتنى عمر هجهوجا...
نغمات الهجهوج اخترقت وجدان الأستاذ عمر، احتضنتها روحه، وصار الهجهوج رفيقه الذي لا يفارقه، كانت "الليلة" التي حضر طقوسها ولادة جديدة لشخص مختلف، مثير للدهشة، وحديث مشوق لسكان حيه، وأقاربه وكل من يعرف الأستاذ عمر...
أزاح عمر المكتب في ركن من أركان الحجرة، أخفى كل ما له علاقة بالكتابة بعيدا عن نظره، فرش أرض الحجرة بزربية مزركشة كتلك التي رآها في فناء البيت التي أقيمت فيه "الليلة الغناوية". صار الأستاذ عمر يقضي معظم أوقاته في هذه الحجرة ممرنا أنامله على العزف على أوتار الهجهوج، مترنما بأنغامه...
كلما اشتاقت روحه للسباحة في عالم أنغام الهجهوج على إيقاعات الطبول والقراقب، دعا بعض العازفين المهرة لحجرته ليسهروا معه حتى آذان الفجر...
******
تعلّم الأستاذ عمر العزف على الهجهوج، وضبط الإيقاعات "الغناوية"، وأصبح حضوره يضفي على الليالي التي تقام في بيوت المدينة طابعا خاصا، كيف لا وهو الأستاذ الكاتب المرموق الذي غير الوجهة وصار عازفا ماهرا على الهجهوج...
لم يعد اسمه الأستاذ عمر، أصبح العازفون على هذه الآلة يسمونه "َلمْعَلّمْ عمر"...
تناقلت الصحف أخباره، نشرت المجلات صوره وهو منهمك في العزف، تسابقت القنوات التلفزية على إجراء لقاءات معه، كان الكل يسأله عن سر هذا التحول، فكان يجيب بقوله "نغمة الهجهوج..."






لعبة الشعر والشعراء // محمد محجوبي // الجزائر


انتهينا حيث انتهى المدى المعشوشب التعبير، حيث الحقول المزدانة بفراشات الخفق على أفقنا المتورد الكتلة كغابة ليل تضيء مكامن التوق وتعيد أعشاش الكلام ناضجة الدفء لشعراء احتفلوا بسواقي البوح فاكتشفوا أن وجه الماء صبوح مقمر بين دوالي الشدو ، حيث المدن المفتوحة الحضن تتشهى أذرع الضوء فتزيل وشاح الحرف في كبد الشمس الناعمة الخيوط مثلها مثل أبجديات تهطل من أعاجيب الوجد والانصهار ، المدن السردية تعبير مشموم من خلال كل الثقوب وكل منافذ الحرية ينبض هزيجها استرسالا في أحشاء السرد ، تتخلله كمياء الذات المنتصبة ربيعها المنزلق من زغب الطيور المرتحلة ، فقد تآكلت أعمدة الشعر القديمة بفعل الضوء العاصف ، كما وأن جسمه المتشظي أشطار التلعثم تلاشى من سوط التعبير المكثف المرايا. وههنا الحقول أوتار من حبال عصافير مسافرة ، وهنا للمدينة شدو تثمل به سرديات فرسان محلقين جزرهم العصية التثبيت وبين الرؤى ولحن التقعيد يغني شجر من عبير الضاد ومن مسك التضاد .