بضعة أيام وألف خلاءه . اتفقت له جزيرة حقلية لا يملكها بمفرده. مساحة دائرية تربو على عشرة أفدنة، بالليل تلجأ إليها النسور والعقبان ، وبالنهار يرى بعض الفلاحين من بعيد بحقولهم، يدرسون الغلة، ويكومون التبن بدريس البرسيم، ويهتمون بمشاتل الأرز. لليوم الثالث على التوالي لم يتحقق من وجه بشر. لم يجلس أو يهاتف أحدا، أو ينطق بمجرد كلمة. وقبل العصر بقليل فكر في الوضوء. إنه على وضوء دائم ليل نهار طالما بالجزيرة. الترعة تدور حول الطريحة كلها، وقليلة هى القناطر التى تعبر فوقها. وثمة عينا ماء شرقية وغربية، لا يمر عليهما لأى سبب حتى يتوضأ. كان يجلس في ظل أشجار الكافور الكثيفة، وتناهى لسمعه رزاز كلام عند العين الشرقية. هناك ثلاثة أشخاص يراهم ولا يرونه. لم يتبين صورهم ولا صوتهم؛ وفكر لتوه في الحركة. إنه مستغرق في وجوده مستقلا عن العالم. لا أثر للواقع في خلائه المحكم. ترك حذاءه أمامه بعدما فكر وقدر ونهض واقفا. سوف يمشى للعين الغربية حافى القدمين حتى لا يرى بشرا. كان مأخوذا وغائبا وما سلك كيف قدر! لقد وصل تلك الحالة التى تأخذه فيها قدماه إلى حيث تشاء. راح يمشي حافيا و يعبر قنطرة من فلقى نخيل، ودار يمينا حول أكمة بوص كبيرة، ليصير مع الأشخاص الثلاثة وجها لوجه. كان يرتدى جلبابا كابيا على غير عادته. ولما رأى سيده أكثر منه فتوة وشبابا وقف ينظر إليه مشدوها ومتأملا. سلم عليه وعلى من معه، ووقف معهم في ظل شجرة التوت التى تظل العين. نظر سيده إلى جلبابه وحفائه وراح يهزه ويقول: أعدتنى ستين عاما للوراء. لما كنا لا نجد مداسا نلبسه ولو كنت تتبع فى صنيعك السنة. ثم التفت لمرافقيه وقال: ومع ذلك؛ فهذا الرجل يربى فى جزيرته الضوارى. أشار أحدهما بأصابعه الطويلة، وكان طويلا وجميلا ويسوق عربة كارو عتيقة تشبه العجلات الحربية إلى جهة الغرب وراح يسأله: أنت الذى استأجرت هذه الأرض؟ رد بإشارة للجهة الأخرى وهو يضحك ويقول: بل هذه؟ قال سيده: حيثما كنت نصرك الله ونصر بك وما نصر عليك. منذ قبل الدرويش ساعتك وأنت تتوضأ وقال: ساعة من ساعاته. كنت تزورنا طمعا فى النفحة، دون أن تعرف أنك أنت النفحة. ليس مهما أن تسأل عن الإسم، المهم أن تكون معنى الاسم. ثم قفز وركب مع الرجل الجميل ذو الأصابع الطويلة العربة الكارو العتيقة التى تشبه العجلات الحربية، ولحق بهما الشاب الأسمر الذى يخدمهما ويدور حولهما، ولما غابت العربة، توضأ من العين وعاد إلى الجزيرة رغم كثرة الخلق.. دون أن يطالع وجه بشر.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.