dimanche 2 novembre 2025

سفر إلى الزمن الآخر // إدريس الجرماطي // المغرب

 

الساعة لا تشير إلى شيء، والزمن بدا وكأنه توقّف عن الدوران. كل ما حوله انقلب إلى فراغٍ واسعٍ يسوده الصمت، كأن الكون أُعيد تشكيله في غياب المعنى. هناك، في ذلك العالم الغريب، تتلاشى ملامح الواقع، ويصبح الوعي نفسه ساحة للتيه والدوار

وجد نفسه في مكان لا يشبه أي مكان عرفه من قبل. رأى وجوهًا بشرية تائهة، بعضها يبتسم في حزن، وبعضها يعانق بعضه الآخر وكأنه يودّع زمنًا مضى. كانت الأصوات تتردد بين الهمس والأنين، بين السؤال والصمت. في أعلى برجٍ ترابي، صومعة مستديرة يعلوها جرسٌ نحاسي أحمر، يرنّ معلنًا قدوم غريب جديد إلى هذا العالم الغامض. بدت الساحة كأنها محكمة كونية، يُحاكم فيها البشر على جهلهم، وتُكشف فيها الأكاذيب التي شوّهت مفاهيمهم

كان القادم الجديد يُدعى بوشعيب — خباز بسيط من حي شعبي. كان معروفًا بابتسامته وخبزه الطازج، يعيش حياة هادئة، يفتح مخبزته مع الفجر كل صباح بعد الصلاة. لم يعتد السفر أو التعامل مع الإدارات، ولم يتخيل يومًا أن رحلته الكبرى ستكون إلى مكان لا عودة منه

حين وجد نفسه في هذا العالم الغريب، تذكّر أنه ترك وراءه زوجته تنتظر خلف الباب، وابنه حمودة الذي سيحمل عنه سر المهنة ومسؤولية الخبز. ترك أيضًا مفاتيح المخبزة، تلك التي كانت تفتح له أبواب يومه، لكنها الآن لم تعد تنفع لفتح شيء

في هذا العالم، لا ساعات، ولا ليل، ولا نوم. الزمن يمتد بلا نهاية، والحياة هناك تتحرك بالعكس؛ من الكبر إلى الصِغَر، من النهاية إلى البداية. رأى بوشعيب نفسه يستعيد أسنانه، ويتحرر من ثقل السنين. أمامه ألواح مضيئة تُعرض عليها حياته مثل فيلمٍ لا يمكن قطعه أو تزويره. لم يعد هناك من يستطيع إخفاء الحقيقة أو تحريفها كما يفعل الناس في الأرض.

كانت الطيور تحمل إليه العفو، كأنها رسل الرحمة الإلهية، وتأتيه الدعوات من أفواه الجائعين الذين أطعَمَهم ذات يوم. شعر أن الخبز الذي كان يصنعه صار شفيعًا له، وأن الرحمة وجدت طريقها إليه من خلال عمله البسيط الصادق

...ثم حدث شيء غير متوقع
سمع أصواتًا مألوفة، رأى نورًا قويًا يخترق السكون، وشعر بحرارة تلامس جسده. مدّ يده إلى رأسه ليوقف نزيفًا خفيفًا، وهناك، في تلك اللحظة، عاد إلى الحياة. فتح عينيه ليجد ابنه حمودة يبكي فرحًا بجانبه، والأطباء يحتفلون بعودته من الغيبوبة الطويلة

كانت رحلته إلى "الزمن الآخر" تجربةً فاصلة، جعلته يدرك أن الحياة ليست ما نعيشه فقط، بل أيضًا ما نتعلمه حين نكاد نفقدها. لقد عاد الخباز من رحلته وقد خَبِز في قلبه
.معنى جديدًا للوجود






Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.