mardi 28 octobre 2025

لغربة حرفي ...// علي الزاهر // المغرب

 

لغربة حرفي
كل هذا الوفاء
فمد بغيم الشوق
فيء هذا السؤال
لغتي ، تجهش بالحنين
كلما اخترقت في صولة الريح
كل الأماني
و سرت في الدرب العتيق وحيدا
أجمع في شهقتي
شتات الأمنيات العجاف
لأغفو قليلا على ضجيج
متواتر النبرات
تقول القصيدة لي :
خذ مداك عهنا منفوشا
و لا تنتظر أحدا في معبرك الأخير
وحدها زفرات عشقك المحموم
تشعل هذا الصدى
تذكرة لعابر وهمك المنتظر
أقول و أنا أرثي حلمي البائد :
انتظر قليلا أيها الوهم
فتحت لك القصيدة أفقا
و تركت تهجدي ، حتى أراك
قلت : انتظر قليلا
لعل من ظمإ البوح ،
ما تعمره الذكريات
أدارت الريح سِفرها
لغطا في انتظار الجواب.





لم أكن أنتظر // سعيد إبراهيم زعلوك // مصر

 

،لم أكن أَنتظر أن يجيءَ الغيابُ بهذا الثِّقل
.ولا أن يُهاجرَ ظِلّي عن جدارٍ كان يَحتضنني
،لم يَخطرْ لي أن يَشيخَ الحُلمُ في صدري
.ولا أن أَرى وجهي غريبًا في المرايا
،ما حَسبتُ أن يتفتَّتَ الصوتُ في حنجرتي
ولا أن يَخطَّ الحنينُ على جداري
.أبوابًا مغلقةً لا تُفتح
...لكن
،من بين رُكامِ الانكسار
،تعلَّمتُ أن أزرعَ ضوءًا في عَتمة
أن أَمدَّ يدي إلى قنديلٍ صغير
.يَعيشُ على بقايا الرجاء
،علَّمتُ قلبي أن يَنهضَ من شظاياه
،أن يَغرسَ وردةً في طُرقٍ مكسورة
،وأن يَبحثَ عن غَدٍ يُبرمُ الوعد
.وعن أغنيةٍ لا يَخونها الصدى
،فلم أَكن أَنتظر شيئًا
.لكنَّني الآن أَنتظرُ كُلَّ شيء









lundi 27 octobre 2025

احضني أو ابتعد ( خاطرة ) // مختار سعيدي // الجزائر

 

قالت ...
أعطيتك حتى انتهيت أنا
حتى ما أبقى الجهد في ذاتي بقاء
وصنع الفناء مورده في قلبي
وفي نفسي للحزن فناء..
والدهر لا يريد ان يرحمني
والموت جفا بدني واكتفى..
أعطيتك الروح جاثمة
بين يديك تقبّل ثرى عشقك
ترسم أثر شفة ترتج بين نواجدي
ودموعي تسقي ظلام الليل الباسل
والآهات و الأنين موردي أنا
وخفقان صدري مخاض
ومهجتي ماردة لا تنام
وأنت كلام من شهقة حلاوة الموت
تغريني في حضنها من بعيد
كأنك حقا تنصهر وهي الحانية
يا ابن الشوكة في حلقي
تخشى أن تمر إلى هنا حيث أشير
إلى حضني أنا .. إلى شفتي لتحررها
إلى صدري لتفتك مهجتي
فكيف تعتقني وأنت أسير
تبكيني في الدجى وأنا ابتسم لك
وأنت أنفك في صدرها كالرضيع
وأنا الخائفة بين أضلعك أتسلل
فقط لأراك
أتفقد نفسي في دجاك
أيا شقائق الخوف الجارحة
ويا أشواك سياج الورد السام ارفقي
لقد أدميت قلبي والوجدان ينتحب
فداك الروح إن وجبت
و بعدك أيها الطوفان الغاشم
إذا أتيت على الناس ارحمهم جميعا
ولا ترحمني
كفرت بكل الرجال من أجلك
مسكين أنت في قفص عصفور
مسجون في رحمة من حديد
مسكين أنت مسلوب الإرادة
مسكون بخوف الرهبانية
ومقيد بسلطة امرأة مثلي لا غير
لا تجهش إلا عندما تراك
أو عندما تذكرني..
تهاجمني و تترجاك
اعطها جسدك ان شئت
وامنحني قلبك ولا تستكين
كن كما انت في عشقك سلطانا
و تحد مثلما أتحدى أنا من أجلك
وإلا انسحب وفارق
واتركني أبني لنفسي معراج نسيان
من غضب امرأة لا تستكين
فما ذنبي إن عشقتك وقدري
وما ذنب الزمن إن سبقتك
وتأخرت أنت بضع سنين.










رحيل في منتصف الطريق// فوزية الخطاب // المغرب


أحلام وأحمد جمعهما القدر، كانا كأنهما توأمان لا يفترقان ،أحبها بجنون وعشقته حتى الثمالة، كانت كل أحاديثها عنه .. هي معجبة به .. بجماله ..وسامته..طويل القامة ..شعره المجعد ..عيناه العسليتان ووجه الصبوح البدري وكأنه القمر في تمامه.
أحلام كانت فائقة الحسن والجمال.. شعرها أسود منسدل وعيناها كأنهما غابتا نخيل وقت السحر ،وشفتاها تقطر عسلا . لم يتجرأ أحد من زملاء العمل من الاقتراب منها ، بل الكل يعرف أنها لأحمد، وأحمد لها .مرت السنوات وقررا الزواج..فرحة عارمة وسعادة كبرى سيستقران أخيرا في بيت واحد سيجمع حبيبين كافحا معا من أجل حبهما الأسطوري .كان دائما يقول لها إياك أن تتركيني في منتصف الطريق ،تدمع عيناها وتقول: أبدأ حبيبي لن يحصل هذا.
صبيحة أحد الأيام ركب سيارته لاقتناء بعض الأغراض لبيتهما الجديد ،سارت السيارة على أنغام الموسيقى وفي لحظة ما باغثته شاحنة تسير بسرعة جنونية واصطدمت به ،انقلبت السيارة أكثر من مرة وأحمد يردد أحلام.. أحلام.. حبيبتي. ضاع الحلم ،تجمع الناس واتصلوا بالإسعاف، أصيب إصابة بليغة على مستوى الرأس وفي العمود الفقري، نقل للمستشفى، أما السائق الثاني فقد رحل لدار البقاء .شعرت أحلام بألم شديد ونغزات في قلبها وازداد الامر برنين هاتفها : أحمد في المستشفى. صرخت بأعلى صوتها وبدأت تلطم خديها الناعمين وتبكي ،وصلت الى المستشفى رفقة أصدقاء العمل ،وجدوه في غرفة العمليات .. ساعات من الانتظار لا يسمع الا أنين أحلام التي استعادت شريط حياتها معه .خرج الطبيب وقال لهم استعدوا لجميع الحالات ،حالته حرجة جداا ،يمكنكم رؤيته ،لكن فرد واحد فقط .دخلت وهي غير قادرة على تحمل رؤيته طريح الفراش ،أمسكت يده وقبلتها بحرقة وهي تدعو الله أن يشفيه ويعود إليها. حبيبي لا تتركني وترحل ،لن استطيع العيش بدونك. فتح عينيه وابتسم لها لا تبكي حبيبتي، يجب ان تكوني قوية ،ربما لن نكمل الرحلة معا ،
-صرخت: لا تقل هذا لن تغادر.. لن ترحل ،وعدتني ويجب ان تفي بوعدك.
- حبيبتي هذا قدرنا.
بكت وهي تمسك يده وتحدق في عينيه .. لا تتركني في منتصف الطريق..لا ...
لحظات ..أنفاسه ترتفع وتنخفض ،صرخت بأعلى صوتها ، أسرع الطاقم الطبي .. أخرجوها من الغرفة ،ولكن كانت روحه قد خرجت وعيناه مثبتتان على أحلام ودموعه تسيل. كان رحيلا في منتصف الطريق.







dimanche 26 octobre 2025

هذيان // مجيدة محمدي // تونس

 

،خَطَرَتْ ببالي فكرةٌ مجنونة تسلّلت من خيوط المصلِ ... المتشابكة ،لِمَ لا تتخلّى عن هذا الجسدِ المتخشّبِ كجدارِ صمتٍ قديم وتنضمّ إلى السّربِ؟ ،سِربُ الفراشاتِ لا يشيخُ ،ولا يُوقِظُهُ وجعُ المفاصلِ ،ولا يسألهُ أحدٌ عن بطاقةِ الصِّحّةِ ...و لا أوراق التأمين ،لِمَ لا تَتَخارج من لحمِكَ المريضِ ،تتسرَّبُ من شقٍّ بين ضلعين ،وتصيرُ شيئًا خفيفًا كالنَّسمةِ التي تتطفّل على أحاديثِ البناتِ حين يُخبئنَ أسرارَهُنَّ ،في زجاجاتِ العطرِ أو حين يكتبنَ على المرايا أسماءً محظورة؟ ،لِمَ لا تُطارِدُ الأطفالَ في لهوِهم ،تُمسكُ بظلٍّ سقطَ منهم ،تضحكُ من سذاجةِ العالم وتنحني لتُقبّلَ جبهةَ الضحكةِ قبل أن تشيخ؟ ،"أريدُ أن أتنصّلَ من ثقلِ الـ"لا ،من كلِّ النواهي التي تربطني كحبالٍ إلى شوك الإدراك ،أن أُفرغَ رأسي من معنى العُمر .وأملأَهُ برفيف الأجنحة ،يا جسدي ،كفى نواحًا على ما فَسَد ،سأُهجرُك الليلةَ كما يهجرُ الحلمُ عَينِ النائم ،وأترُكُكَ هنا ،لأتعافى في فضاءِ الفراشات ،حيثُ لا مواعيدَ للألم ....ولا قيدَ لعمر الصباح





واقفا يتلظى // خلف إبراهيم // سوريا

 

لم أعتلِ منصة الشعر
ولا ألقيتُ قصيدتي بين رواد الكلمة،
فالشعر أكبر مني
وأسمى من كل منصة.
إنه قمة الجرح
وأغنى الأغنياء
مذاقه مسكرٌ حد الهذيان.
ما أهملتُ أناقة مظهري
ولا وضعتُ قبعةً على رأسي
لكن الحزن كان
المسؤول عن سلوكي.
كانت المرأة أرقى طموحاتي
بينما الشعر كان
قريتي
وضوء القمر
وحفيف القصب
واستدارة أعمدة الإنارة
كل الدروب تقودني إلى
رائحة الطين.
الشعر
أكبر مني
وأكبر من كل الكلمات.
في النحو نقول: الدنيا تمطر
والشمس مشرقة
لكن الشعر ينادي
/هامية بالحُب تذرف/
يا ضوء الله
إن الشمس تبتسم.
كل الكلام يسقط
والصمت ينهض
وحده الشعر
فارسٌ يترجل من على ظهر
الجرح، واقفًا يتلظى.






vendredi 24 octobre 2025

ابقوا ...// ثامر الخفاجي // العراق

 

ابْقوْا
في مَضاجعِكمْ
ولاتفْتحوا للصَّباحِ كوةً
يتسلَّلُ منها الضَّوءُ
إحْلموا كما تَشاؤون
فالنِّساءُ الجميلاتُ
في الأحلامِ كُثْر
ولكنْ إيّاكم
أنْ تأخذَكُم النَّشْوةُ
فتًَطْرُقوا بابَ إحْداهنَّ
عندَ الصَّباحِ
فالنَّهارُ مُبْصِرٌ
عِنْدَها
لنْ تَجِدوا لَكمْ إبْهاماً
صالحاً لِلتَوقيعِ
حتىٰ علىٰ
طلبِ الموتِ ألمُخَبَّأ
في حَقائِبِ السَّياراتِ
المَجْهولَةِ الأرْقامِ
وإيّاكُم وفُتاتُ الموائدِ
فإنَّها قدْ تُسبِّبُ
العُسْرَةَ في عُقولِكمْ
قبلَ بُطونِكم التي
لمْ تَعُدْ تُشْبِعْها
إلّا وَصايا الشَّيْطان.






dimanche 19 octobre 2025

انزواء (قصة قصيرة ) // أيمن الخراط // مصر

 

عند مدخل الشارع الذى بناصيته المسرح الكبيربأنواره ، تحرك بزيه المميز وحاويته البلاستيكية تعلوه فروع أشجاروزينات  وأضواء ونسمات هواء سكنت الأعالي وضنت بها على السائرين .

كان يسيرويلتفت بوجهه يمينا ويسارا وعلى شفتيه ابتسامه نحو الجالسين على الجانبين، غير مبالين وهويجمع علب سجائرهم الفارغة الملقاة على الأرض، و يفرغ فى حاويته ماتمتلئ به السلال المنزوية بين مقاعدهم وفوق أرصفة البنايات العالية، رخامية الجدران ذهبية النقوش، فى حفر الأسفلت التى تقوده الى آخر خيط من النور  ، تسقط حبات من ماء مالح، فى بقعة مظلمة على آخر درجة هبوط من سلم إحدى البنايات يجلس منزويا ، مبتسما،   يحتسى كوبا من الشاى ناوله إياه عامل المقهى قبل أن يغيب فى آخر الشارع                                                    




 

عتمة اغتراب // أحمد نفاع // المغرب

 

لمن؟
كلهم نذروا
العبور للخيبات البائسة
كل الجهد للرقص
على الجراح
للحروب
البائدة
في
غفلة
شرد الذهن
واحترقت الكلمات
فكيف
لي أن أكتب ..
وعصفورتي حائرة
ومعصم صهلتي يقيده الليل
وساعدي أعياه الشتات
وحمل الأنقاض
والأشلاء
من
منكم
ينقذ بسمتي
فقد أدركها الرماد
وسالت من بين شفتيها
عتمة اغتراب
ومداد
من
منكم
يمسح فمي
من ريق سكرات / من بوح ألفاظ
هي كل شهاداتي
تبخرت باهتة
كما سراب
فناء.






vendredi 17 octobre 2025

ماذا فعلت ...// عدنان يحيى الحلقي // سوريا

 

ماذا فعلْتَ ليسهلَ المشوارُ
إذْ لا مفرّ.. وما لديْكَ خيارٌ
كُلِّفْتَ أنْ تسعى لتبلُغَ غايَةً
فيها الحسابُ وَ ليسَ منه فرارٌ
وَ رأيْتُني في المهدِ ألتَمِسُ الصّدى
يا صوتَ أمّي مَنْ سواكَ يُزارُ
وَ رأيْتُني في الوَجْدِ أخْتَزِلُ المدى
وَ تجيئُ مِنْ أردانِهِ الأخبارُ
نَهَضَتْ، فرحْتُ، وبالدّعاءِ تَعلّقَتْ
يا دارُ ما صنعَتْ بنا الأقدارُ
وَ أبي البعيدُ يذودُ عنْ أحلامنا
وَ يَعودُها.. وَ تعيدُهُ الأسفارُ
نسْتَنْهِضُ الدّنيا لنركضَ خلفَها
حتّى نَنامَ.. وَ يبدأ التذكارُ.








jeudi 16 octobre 2025

الأصيل يبقى أصيلا ... // إدريس الجرماطي // المغرب


كان الفجر يتثاءب على طرقات خربةٍ تمتدّ بين تلالٍ غبراء. الريح تنفخ غبارها في وجه الطريق وكأنها تحاول أن تمنع القدر من الوصول
وفي تلك اللحظة التي لا يميّز فيها الضوء بين العدم والبداية، دوّى ارتطام عنيف
.سيارة صغيرة انقلبت بين الصخور، صرخةٌ خافتةٌ انطفأت في الهواء، ثم سكون...
غير أن القدر ترك نافذةً صغيرةً مفتوحة، كان فيها بكاء طفلٍ في عامه الأول
.صوتٌ هشّ، لكنه كافٍ ليوقظ ضمير الأرض
تلك الأرض كانت تسكنها امرأةٌ مسنّة اسمها شطّو. كانت تجمع الحطب بيديها المتشققتين حين سمعت الصرخة، فاتجهت نحوها كمن يسابق الموت
اقتربت من السيارة، رأت الجثتين الباردتين، وطفلًا صغيرًا يصرخ بين الزجاج المكسور.حملته دون أن تعرف من أين أتى ولا إلى أين سيذهب
:قالت في سرّها
"اللي كتبها الله هي اللي تكون... واللي جا من السماء ما يتردّ"
ثم أخذته نحو قريتها الجبلية، إمدري، حيث البيوت من طينٍ والقلب من تعبٍ.وفي تلك القرية بدأ القدر يكتب حكايته الأخرى
:أطلقت عليه اسم الحساين، وقالت لابنتها جميعة
"هذا وْلْدكْ من اليوم، ما تذكريش لأي واحد منين جا، حتى ما يطيح بين يدين الحرام"
ابتسمت جميعة، كانت شابة في ربيعها الأول، فقيرة مثل تراب بيتها، لكنها تملك قلبًا من نهر
احتضنت الطفل كأنه من رحمها.كبر الحساين بين يديها كما تنمو شجرة بين الصخور. ببطءٍ، لكن بإصرارٍ على الحياة
كان وجهه مضيئًا بعينيه الزرقاوين، لونه يخالف كل ما حوله، كأنه غيمة في سماءٍ من طين
:الناس في القرية يهمسون
"هاد الولد ما يشبهش حتى شي حد... يمكن من بلاد بعيدة"
:لكن جميعة كانت تقول
"ما يهمش الأصل، المهم اللي ربّاه"
حين بلغ سنّ المدرسة، أرسلته أمه إلى الكُتّاب ليحفظ القرآن، لكنه لم يحبّ الجدران ولا الحروف المتكررة. كان يهرب إلى الورشات ليتعلم النقش على الجبس، فتعلّق قلبه بالأشكال والزخارف البيضاء التي تنحت النور من الصخر
صار معروفًا في القرية، ثم في المدن المجاورة، بمهارته وإبداعه وفي أحد الأيام قال لجميعة:
. "غادي نمشي للشمال... هنا ما بقات لا خدمة لا أمل"فبكت، لكنها لم تمنعه
سافر إلى مدنٍ بعيدة، حيث البورجوازية تحب اليدين المتسختين بالجبس، لأنها تصنع لها القصور النظيفة.هناك، بين العمال والصخب، بدأ يسمع صوته الداخلي يسأله
"منين جيت؟ علاش أنا مختلف؟"
ذات مساء، بينما كان جالسًا في مقهى صغيرٍ تطل على البحر، سمع رجلين يتحدثان عن القرية التي جاء منها. قال أحدهما
"جميعة ما عمرها ولدات... كان عندها غير داك الطفل اللي جابتو معاها فنهار الحادثة!"
.كانت الجملة كالسهم، دخلت في ذاكرته كأنها توقظ شيئًا نائمًا منذ الأزل
عاد إلى القرية، واجه جميعة، صرخ، بكى، ثم رجع ليصرخ من جديد.لكنها صمتت
.كان الصمت في بيت الطين أشدّ من الموت
وفي اليوم الثالث، حين رأت شطّو دموعه تفيض كالسيل، جلست أمامه وقالت بصوتٍ مبحوح:
"راه الحقيقة ثقيلة يا وليدي... ولكن ما بقاتش مخباة. نْتَ ماشي من هاد البلاد. نْتَ من بلاد البْحور، جبتك بين الدم والدخان"
رحل الحساين في اليوم الموالي إلى مركز الدرك الملكي القريب من مكان الحادث
قلبوا معه الأرشيفات القديمة، أوراقًا صفراء، تقارير منسية حتى وجد جوازًا صغيرًا عليه صورته وهو طفل.جواز سفر أمريكي
:وقف مذهولًا، كأنه يرى نفسه للمرة الأولى.قال له الضابط
"اسمك الحقيقي: مايكل أندرسون"
.تجمّدت ملامحه، شعر كأن القرية كلها كانت حلمًا طويلًا، وأنه استيقظ الآن فقط
سافر إلى أمريكا.السماء هناك لم تكن تشبه سماء إمدري ،ولا الأرض تشبه الطين الذي تربى عليه
التقى جده، رجلًا ثريًا من تكساس، احتضنه بدموع الفخر، وأعاده إلى بيتٍ واسعٍ تفوح منه رائحة الرفاهية والوحدة.تعلّم اللغة بسرعة، لبس البذلة، وصار يُدعى “مايكل” من جديد
:لكن بين ضحكاته كان يسمع صدى بعيدًا لصوت امرأة تقول
"ما يهمش الأصل، المهم اللي ربّاه..."
:كان يحاول نسيانها، لكنه لم يفلح.كتب إليها رسالةً باردة
"جميعة... أشكرك على ما فعلتِ. لكنك أخفيتِ عني الحقيقة، وسرقتِ طفولتي. لا أريد أن أراكِ بعد اليوم"
أرسلها بالبريد الجوي، ثم عاد إلى حفلاته، إلى النبيذ، إلى الأصوات الغريبة التي لا تعرف الرحمة
غير أنه في إحدى الليالي، وهو جالس قرب نافذةٍ تطل على أضواء نيون باردة، شعر أن قلبه يعود إلى التراب الأول.سمع داخله صوتًا خافتًا، كأن الأرض تناديه
"الأصيل يبقى أصيلًا... ما تبدّلو لا المال ولا الدم الجديد"
بعد أعوام، زار المغرب في رحلة عمل.مرّ قرب قريته القديمة، نزل من السيارة، وسار على قدميه نحو الأطلال.لم يجد بيت شطو، ولا جميعة، غير أطلالٍ من ترابٍ وشجرٍ يابس.
جلس على صخرة، نظر إلى الجبل وقال: "يا ليتني بقيت هناك، فقيرًا، نقيًّا، بلا اسمين، بلا وطنين..."
.رفع رأسه نحو السماء، فمرّ طائر أبيض، دار فوقه ثم اختفى خلف الغيم.
:ابتسم وقال
"حتى الطيور تعرف الأصل، وتعود إليه كل موسم"
ثم سار في طريق العودة، يحمل حقيبة ممتلئة بالذهب، وقلبًا فارغًا من المعنى
.لقد أدرك أخيرًا أن الأصل ليس في الجسد، بل في الذاكرة التي لا تُباع ولا تُشترى
"حيط الرملة لا يعلو ساسُه، يطلع حتى يعيا ويرجع لساسُه..."
.وهكذا، حين يخون الإنسان ذاكرته، تعاقبه الحياة بأن تتركه بلا ظل






mercredi 15 octobre 2025

لا حياة في الحياة // إدريس سراج // المغرب


لاحياة في الحياة

و اليوم كالأمس

ينسل خيط الضوء

من عين الحلم

رحل و لم يترك

خلفه صورا

ذكرى للأمس

لا حياة في الحياة

و غدا كاليوم

لا ننتظر شمسا

تخفف حزن النفس

و لا نجوم تضيء

طريق الأرض

و سماء الحلم

ھا ھنا الأرواح

تبحث عن نھايات

تليق بالھزائم الأخيرة

ھا ھنا شمعة

تتلمس ظلام الروح

و تجاعيد الحروف الخجلى

من قصور البوح

و عراء الفكرة

ذرف الفؤاد دمع حزنه

و انتشر صمت مريب

خلف الحياة

كانت طيور تحلق

في سماء

ليست كالسماء

تسبح في ظل الله

بين أغصان شجرخرافي

تكسوھا أوراق
ألوانھا

ليست كالألوان

و نحن على قيد الحزن ذاته

نجتر الحياة

وجبة فاسدة

أنھكھا قيض الخصاص

و نھب الكلاب

لا مطلب من الغد

الأمس ذكرى حزينة

و الحلم

يترقرق في عين طفل

نسى اسمه

و انتشى بالفراغ

و المساء كھل

مثقل بالخيبات

لم يعد يذكر

أسماء من رحلوا

أدرد الأحلام

محاط بالفراغ الكبير

لا وجود يشبه الوجود

إلا في ذاكرة

من أفرط التشبث

بالوجود

تأدب

في حضرة الجرح

قالھا و غاب

كان يمسك

بين أنامله سنبلة قمح

كان يدون بھا خيباته

حين اصطفاه الخالق

فارتقى شهيدا

و شاهدا

على كل الخذلان

قلت

لا تتعلق بأحد

فكلھم عابرون

كانوا ھنا

ولا زالوا ھنا

تحت أنقاض الروح

ھنا

في ھذا الخراب العظيم

ترقد كل النفوس

غير مطمئنة

لما أصابھا من تشظ

و نسيان

كأنھا لم تكن

كأنھا ھامش الھامش

كأنها ضمير الخائب

الغائب المجنون

قلت لا تنظر خلفك

و انتصر لنا

أيها المستحيل

فنحن ميتون قبل الموت

و أحياء في جحيم

.......الأرض و السماء