dimanche 12 octobre 2025

قلوبهم على قلب واحد // خديجة هنداوي // سوريا

 

كان صباح اليوم الأخير من عيد الأضحى مختلفًا عن غيره .
الهواء نديٌّ ، والسماء صافية تمامًا كأنها صفحة زرقاء لم تمسها يد .
البيوت ما زالت تحتفظ بزينة العيد ، أشرطة ملونة تتدلى من الشرفات ، وأصوات الأطفال تتعالى في الأزقة ، يركضون بملابس جديدة تفوح منها رائحة العيد.
الأولاد من حولي لا يهدأون .
يتسابقون بخطواتهم الصغيرة ، يضحكون يلوّحون بأيديهم .
كانوا كأسراب عصافير أفلتت لتوّها من القفص .
قلت لنفسي وأنا أراقبهم :
اليوم لهم… اليوم سيملأونه كما يشاؤون .
***************
في طريقنا إلى المنتزه ، مررنا بالسوق. ضوضاء الباعة تتداخل مع أصوات الزبائن . روائح التوابل تختلط بروائح الخبز الطازج . العربات الصغيرة تزدحم عند الزوايا ، يعلو صوت البائع : "فواكه… طازجة!"، ويرد عليه آخر : "هيا على العصائر الباردة!"
شدّ الأولاد يدي إلى محل العصائر . واجهته ملوّنة ، زجاجات مصطفة بألوان تشبه لوح رسام ، الأحمر القاني ، الأصفر الزاهي والأخضر الشفاف .
دخلنا وسط الزحام .
**************
وبينما كنت أطلب ما يرغبون ، التقط سمعي صوتًا طفوليًا حادًا لكنه رزين .
كان يقف غير بعيد ، طفل لم يتجاوز السابعة. قامة قصيرة ، شعره أسود مرتب بعناية كأن أمه مررَت عليه المشط قبل دقائق .
عيناه واسعتان فيهما جدية غريبة على طفل . كان بجواره شاب في العشرينات ، ملامحه هادئة ، لحيته خفيفة ، عيناه سوداوان عميقتان .
بدا لي أنه عمه .
قال الطفل بصوت واضح ، وهو يشير نحو الثلاجة المليئة بالزجاجات المثلجة :
"عمي… لعمي المريض ، أريد عصيرًا غير بارد."
ارتسمت على وجه الشاب ابتسامة صغيرة ورفع حاجبيه بدهشة رقيقة :
"حاضر."
لكن الطفل لم يكتفِ ، بل كرر وصيته بجدية أشد ، كمن يخشى أن يخطئ أحد في تنفيذ طلبه :
"غير بارد ، لأنه لا يستطيع أن يشرب البارد ."
ضحك العم بخفة ، وأومأ برأسه :
"اطمئن، لن يكون باردًا
**************
بقيت أتابع المشهد من بعيد .
الكلمات عادية ، لكن في صوته شيء غير عادي .
كأنه لا يتحدث كطفل ، بل كراشدٍ يحمل مسؤولية أكبر منه .
تساءلت في داخلي : من أي بيت خرج هذا الصغير ؟ ومن أي تربة نبت قلبه ؟
انتهيت من شراء ما أردت ، لكن صورة الطفل بقيت تلاحقني حتى بعد أن غادرنا نحو المنتزه .
***************
المنتزه كان يغلي بالحياة .
صخب الأطفال صرخات الفرح ، الموسيقى القادمة من مكبرات الصوت الصغيرة ، رائحة الذرة المشوية تختلط برائحة الحلوى القطنية. الأولاد انطلقوا في كل اتجاه ، وأنا أجلس أراقبهم من بعيد .
حين أذن الظهر ، اتجهنا إلى المسجد القريب. واجهته البيضاء انعكست عليها أشعة الشمس وباحته غاصة بالمصلين .
خلع الأولاد أحذيتهم على عجل ، ودخلنا. صفوف متراصة ، همسات التكبير والتهليل تعلو بين الجدران .
*************
بعد الصلاة ، جلست في الفناء .
بعض الأطفال يلعبون بين الأعمدة ، رجال يتهامسون في الزوايا ، والهواء ساكن .
وفجأة ، رأيت وجهًا مألوفًا وسط الزحام .
كان العم نفسه .
يمسك بيد شاب أكبر منه قليلًا ، جسده نحيل كتفاه منحنية ، وجهه شاحب يميل إلى الاصفرار .
خطواته بطيئة ، يكاد يتعثر .
العم كان يشدّ يده برفق .
نظراته ثابتة، وحركته هادئة ، وكأنه يسير بعالمٍ آخر لا يهمه فيه شيء سوى أخيه .
***************
توقفتُ عن مراقبة الأولاد ، وانشغلت كليًا بهذا المشهد .
أخرج العم من جيبه كيسين شفافين ، وألبسهما ليد أخيه المريض .
فعل ذلك بحذرٍ شديد ، كمن يلبس طفلاً .
ثم شد يده ، واقتاده إلى الحمامات .
بقيتُ أراقب الباب .
الوقت مرّ بطيئًا .
لم يكن عندي سبب للترقب ، لكني كنت أنتظر عودتهما كما ينتظر المرء حدثًا مصيريًا .
*****************
وأخيرًا خرجا .
الأخ المريض يسير متكئًا ، والعم لا يترك يده لحظة .
كان يحدثه بصوت منخفض لم أسمعه ، لكني قرأت الكلمات على وجهه : صبر، مواساة وشيء من الاعتزاز .
خطوت نحوه دون تردّد . التقت عيناي بعينيه وقلت بهدوء :
"أخي… أيمكن أن أصوّر هذا المشهد؟
سيكون جميلاً أن يراه الناس."
توقف ، حدّق بي ثوانٍ قصيرة لكنها طويلة عليّ .
كان في عينيه بريق صرامة لم يكسر لطفه ثم قال :
"لا ، من فضلك… لا."
***************
تراجعت بابتسامة مترددة .
لم أجد في نفسي جرأة للسؤال "لماذا".
لكن داخلي كان يفيض بالأسئلة .
هل خشي أن يجرح أخاه؟
هل أراد أن يحفظ خصوصيته؟
أم أنه لا يريد أن يتحول ضعف أخيه إلى صورة يتداولها الناس ؟
نظرت إلى الشاب المريض بجانبه ، كان مطأطئ الرأس ، يتجنب العيون .
عندها فهمت، دون أن أسمع تفسيرًا.
************
مضيا معًا ببطء، يبتعدان بين الزحام .
لم يكن المشهد يحتاج إلى صورة .
لقد انطبع في داخلي أعمق من أي عدسة .
في نهاية اليوم ، جلسنا عند البحر .
الأولاد يركضون على الرمل ، يتركون آثار أقدامهم ويضحكون ، والموج يتكسر أمامي بلا توقف .
حدقت في الأفق ، والريح تداعب وجهي وصورة العم وأخيه لا تفارقني .
ترددت في داخلي كلمات الطفل مرة أخرى:
"غير بارد… لأنه لا يستطيع أن يشرب البارد."
ابتسمت لنفسي ، وأدركت أن بعض الصور تُلتقط بالقلب وحده… وتبقى هناك إلى الأبد.





Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.