كان الفجر يتثاءب على طرقات خربةٍ تمتدّ بين تلالٍ غبراء. الريح تنفخ غبارها في وجه الطريق وكأنها تحاول أن تمنع القدر من الوصول
وفي تلك اللحظة التي لا يميّز فيها الضوء بين العدم والبداية، دوّى ارتطام عنيف
.سيارة صغيرة انقلبت بين الصخور، صرخةٌ خافتةٌ انطفأت في الهواء، ثم سكون...
غير أن القدر ترك نافذةً صغيرةً مفتوحة، كان فيها بكاء طفلٍ في عامه الأول
.صوتٌ هشّ، لكنه كافٍ ليوقظ ضمير الأرض
تلك الأرض كانت تسكنها امرأةٌ مسنّة اسمها شطّو. كانت تجمع الحطب بيديها المتشققتين حين سمعت الصرخة، فاتجهت نحوها كمن يسابق الموت
اقتربت من السيارة، رأت الجثتين الباردتين، وطفلًا صغيرًا يصرخ بين الزجاج المكسور.حملته دون أن تعرف من أين أتى ولا إلى أين سيذهب
:قالت في سرّها
"اللي كتبها الله هي اللي تكون... واللي جا من السماء ما يتردّ"
ثم أخذته نحو قريتها الجبلية، إمدري، حيث البيوت من طينٍ والقلب من تعبٍ.وفي تلك القرية بدأ القدر يكتب حكايته الأخرى
:أطلقت عليه اسم الحساين، وقالت لابنتها جميعة
"هذا وْلْدكْ من اليوم، ما تذكريش لأي واحد منين جا، حتى ما يطيح بين يدين الحرام"
ابتسمت جميعة، كانت شابة في ربيعها الأول، فقيرة مثل تراب بيتها، لكنها تملك قلبًا من نهر
احتضنت الطفل كأنه من رحمها.كبر الحساين بين يديها كما تنمو شجرة بين الصخور. ببطءٍ، لكن بإصرارٍ على الحياة
كان وجهه مضيئًا بعينيه الزرقاوين، لونه يخالف كل ما حوله، كأنه غيمة في سماءٍ من طين
:الناس في القرية يهمسون
"هاد الولد ما يشبهش حتى شي حد... يمكن من بلاد بعيدة"
:لكن جميعة كانت تقول
"ما يهمش الأصل، المهم اللي ربّاه"
حين بلغ سنّ المدرسة، أرسلته أمه إلى الكُتّاب ليحفظ القرآن، لكنه لم يحبّ الجدران ولا الحروف المتكررة. كان يهرب إلى الورشات ليتعلم النقش على الجبس، فتعلّق قلبه بالأشكال والزخارف البيضاء التي تنحت النور من الصخر
صار معروفًا في القرية، ثم في المدن المجاورة، بمهارته وإبداعه وفي أحد الأيام قال لجميعة:
. "غادي نمشي للشمال... هنا ما بقات لا خدمة لا أمل"فبكت، لكنها لم تمنعه
سافر إلى مدنٍ بعيدة، حيث البورجوازية تحب اليدين المتسختين بالجبس، لأنها تصنع لها القصور النظيفة.هناك، بين العمال والصخب، بدأ يسمع صوته الداخلي يسأله
"منين جيت؟ علاش أنا مختلف؟"
ذات مساء، بينما كان جالسًا في مقهى صغيرٍ تطل على البحر، سمع رجلين يتحدثان عن القرية التي جاء منها. قال أحدهما
"جميعة ما عمرها ولدات... كان عندها غير داك الطفل اللي جابتو معاها فنهار الحادثة!"
.كانت الجملة كالسهم، دخلت في ذاكرته كأنها توقظ شيئًا نائمًا منذ الأزل
عاد إلى القرية، واجه جميعة، صرخ، بكى، ثم رجع ليصرخ من جديد.لكنها صمتت
.كان الصمت في بيت الطين أشدّ من الموت
وفي اليوم الثالث، حين رأت شطّو دموعه تفيض كالسيل، جلست أمامه وقالت بصوتٍ مبحوح:
"راه الحقيقة ثقيلة يا وليدي... ولكن ما بقاتش مخباة. نْتَ ماشي من هاد البلاد. نْتَ من بلاد البْحور، جبتك بين الدم والدخان"
رحل الحساين في اليوم الموالي إلى مركز الدرك الملكي القريب من مكان الحادث
قلبوا معه الأرشيفات القديمة، أوراقًا صفراء، تقارير منسية حتى وجد جوازًا صغيرًا عليه صورته وهو طفل.جواز سفر أمريكي
:وقف مذهولًا، كأنه يرى نفسه للمرة الأولى.قال له الضابط
"اسمك الحقيقي: مايكل أندرسون"
.تجمّدت ملامحه، شعر كأن القرية كلها كانت حلمًا طويلًا، وأنه استيقظ الآن فقط
سافر إلى أمريكا.السماء هناك لم تكن تشبه سماء إمدري ،ولا الأرض تشبه الطين الذي تربى عليه
التقى جده، رجلًا ثريًا من تكساس، احتضنه بدموع الفخر، وأعاده إلى بيتٍ واسعٍ تفوح منه رائحة الرفاهية والوحدة.تعلّم اللغة بسرعة، لبس البذلة، وصار يُدعى “مايكل” من جديد
:لكن بين ضحكاته كان يسمع صدى بعيدًا لصوت امرأة تقول
"ما يهمش الأصل، المهم اللي ربّاه..."
:كان يحاول نسيانها، لكنه لم يفلح.كتب إليها رسالةً باردة
"جميعة... أشكرك على ما فعلتِ. لكنك أخفيتِ عني الحقيقة، وسرقتِ طفولتي. لا أريد أن أراكِ بعد اليوم"
أرسلها بالبريد الجوي، ثم عاد إلى حفلاته، إلى النبيذ، إلى الأصوات الغريبة التي لا تعرف الرحمة
غير أنه في إحدى الليالي، وهو جالس قرب نافذةٍ تطل على أضواء نيون باردة، شعر أن قلبه يعود إلى التراب الأول.سمع داخله صوتًا خافتًا، كأن الأرض تناديه
"الأصيل يبقى أصيلًا... ما تبدّلو لا المال ولا الدم الجديد"
بعد أعوام، زار المغرب في رحلة عمل.مرّ قرب قريته القديمة، نزل من السيارة، وسار على قدميه نحو الأطلال.لم يجد بيت شطو، ولا جميعة، غير أطلالٍ من ترابٍ وشجرٍ يابس.
جلس على صخرة، نظر إلى الجبل وقال: "يا ليتني بقيت هناك، فقيرًا، نقيًّا، بلا اسمين، بلا وطنين..."
.رفع رأسه نحو السماء، فمرّ طائر أبيض، دار فوقه ثم اختفى خلف الغيم.
:ابتسم وقال
"حتى الطيور تعرف الأصل، وتعود إليه كل موسم"
ثم سار في طريق العودة، يحمل حقيبة ممتلئة بالذهب، وقلبًا فارغًا من المعنى
.لقد أدرك أخيرًا أن الأصل ليس في الجسد، بل في الذاكرة التي لا تُباع ولا تُشترى
"حيط الرملة لا يعلو ساسُه، يطلع حتى يعيا ويرجع لساسُه..."
.وهكذا، حين يخون الإنسان ذاكرته، تعاقبه الحياة بأن تتركه بلا ظل

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.