اخترت هذا المساء أن أرافق زوجي إلى مطعم شهير بالمدينة.. كان ممتلئا عن آخره.. اجتهدت - كعادتي منذ جئت إلى مصر- في إيجاد طاولة نائية مطلة على النيل .. طلبنا الأكل .. سرحت ناظري في المياه السوداء تعكس النجوم المتناثرة وسط الأديم.. كوكب الشرق أم كلثوم تصدح برائعة (أغدا ألقاك)..لأغاني الست وقع آخر حينما تسمعها بأرض الكنانة... انكرت بداخلي كيف أن البعض يثرثر بدون توقف في حضرة كل هذا الجمال.. يتناهى إليّ بين الحين والحين صدى ضحكات ينبعث من هنا وهناك انشغلت بالاستماع متأملة صفحة الماء.. أحسست برائحة غريبة .. لابد أنه خليط السجائر والطعام .. لحد الآن كل شيء يبدو طبيعيا حسب المعقول... استرسلت كعادتي في التأمل ومحادثة نفسي.. ساد الصمت فجأة .. توجهت عيناي بالفطرة نحو الباب المفتوح على مصراعيه... دخلت هي .. دخولها للمكان يشبه تلك الرشفة من الماء تعانق الحنجرة بعد صيام يوم طويل قائظ.. الملايين من النساء على ظهر هذا الكوكب مقبولات.. وأغلبهن جميلات فاتنات مادمن يستطعن إبراز هذا الجمال بمهاراتهن وطقوسهن .. لكن هذه بالذات امرأة مختلفة.. كانت فلتة من فلتات الطبيعة .. لاتشبه فتيات المجلات .. ولا عارضات الأزياء في دور الموضة العالية . هل هو قوامها الرشيق.. ابتسامتها .. شعرها.. أناقتها.. عيناها.. لست أدري.. كل ما أدريه هو أن عليها كاريزما من نوع نادر جعلت الضجيج يتوقف.. والضحكات ترتد إلى الحناجر.. لم يعد يسمع صدى الكؤوس.. ولا الملاعق ولا السكاكين تقرع الصحون .. لفتت نظري انتفاضة أحدهم في الطاولة المجاورة بعدما احترقت أنامله ببقايا سيجارته.. صدقوني.. كانت فاتنة.. متكاملة.. عدت لإكمال وجبتي ..انطلق خيالي بدون استئذان مني كما يفعله دائماً.. ابتسمت لمنظر طريف يتراءى أمام عيني بإلحاح.. تخيلت أحد هؤلاء المشدوهين بكل هذا الجمال الرباني.. ينظر إلى ساعته، ثم يقوم من مجلسه مكرها.. يعود متثاقل الخطى إلى البيت...تستقبله زوجته عند الباب بوجه عابس متعب من إكراهات البيت ومشاكل الأولاد .. يداها متورمتان غطت بياضهما حمرة وتجاعيد.. لفت شعرها المنفوش في منديل.. ينبعث من جسدها مزيج من روائح المطبخ ومساحيق التنظيف.. تنظر إليه شزرا.. تمهله دقائق ..دقائق فقط ..ثم تشرع في سلسلة من شكاوى لا تنتهي..

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.