بعد الحفل البهيج الاستثنائي الذي أقامته عائلة الشاب زيلوس، هذا الغيور الحقود، المنافس الشرس لمن حوله ولكل من يعرفه، كان الاحتفال بمناسبة تخرجه في كلية الفلسفة. غير أن علمه ذاك لم يكن بالفهم الحقيقي، لأن الفلسفة لغة العقل والتعقل، وهي التوجه الذي يصنع الشخصية المثالية في الإنسان، حتى وإن كانت فطرته سوداوية التفكير
كان الشاب يدافع عن نرجسيته دفاع الأغنياء الذين يكسرون صورهم الفوتوغرافية، فقط لأنها لا تبتسم في وجوههم، رغم أن الإشكال لا يخص الصورة بقدر ما هو خلل في أعماق الذات. ومع ذلك تمادى زيلوس في تمجيد صورته، يراها عنوان التحضّر والاستقامة، رغم أنه أكثر الناس عدوانية وكرهًا للآخرين
العاصفة جعلت الكراسي تتمايل في ألحان أبدية أزلية، والزجاجات الصغيرة ترسم على أبهاء الضوء خطوطًا تشبه الموج. كان الشاب يسير وفق موسيقاه الخاصة، أغصان الأشجار تدعو السحاب لمشاركتها الرقص، كأنها أرواح تتصافح في ليلٍ من بلّور. إنه التخرج، ولا ينبغي لشيء أن ينكسر، وفداءً لصمتٍ قابع على الكون، أهلّ المطر دون أن ينتظر موعده الشتائي. الأمر مقبول، لأن الربيع يحتمل الجمال، ويؤمن بنوستالجيا اللواعج
اللوحة بدأت تكتمل في مخيلة زيلوس، الرجل الصغير الذي يرى الدنيا راقصة على أوساج قلبه. ينظر إلى السماء فيرى غرفته قصرًا يتمايل من كثرة الطيور التي تطير بأسلوب مختلف، كأنها تسبح، أجنحتها مبللة، والأجمل أنها صارت تغني. لكنه لم يكن فرحًا، إذ علم أن عالمه يتآمر ضده، وأن العصافير تهمس بسخرية ملونة على ذاته المشتتة
في بهو القصر المتخيل، كانت العاصفة تطفئ الشموع، وصوت الكلاب الجائعة يعوي في زوايا الظلال. زيلوس نسي أن عائلته ليست هناك، تركهم يرقصون للفراغ، يغنون للجدران. غادرهم خفية، ظانًا أن أصدقاءه غائبون، فصار يبحث عنهم في كل مكان، بينما لم يتبق إلا الظلام. فرت الطيور، وبدأ يسمع من جديد أصوات عيدان وحطب يُكسَر
لم يكن يفهم شيئًا. اغتر في البداية بصوته الذي صار في النهاية مبحوحًا ومخيفًا. جسده بدأ يتغير لونه، وروحه فقدت توازنها. لم يكن ذكيًا بما يكفي ليوقف عبثية الغرور في دواخله، فتمادى في شتم الأشكال والألوان. أربكه الماء، لا لون لمائه الذي يتعكر كلما لامسته يداه. كل الأشياء تتعفن، ولا رائحة في مكانه غير نسيم المزابل
حينها أدرك، ولأول مرة، أنه لزمه أن ينام، فالجميع ضده، ولا حول له ولا قوة. بعد استرخائه أحس بجسده يتثاقل كعربة مهترئة. في عالمه الداخلي، رأى نفسه نبتة يابسة، وأهل قريته جياع، لا بد أن يكسروا أغصانه ليشعلوا بها نيرانهم. أحس بأن المقاومة لا تنفع، وانتابه انهيار كلي، وهو يستسلم للنار التي أوقدها أهل القرية فرحًا بعيدهم الجديد، عيد الشجرة التي ستمنحهم دفء الحياة
وعندما أحس زيلوس بأعضائه تحترق، سمع موسيقاه الأولى، ورأى أوراق شجرته تتجدد. كانت تلامسها الحياة من جديد، وأوراقها مرائي تلمع، كلما نظر إلى إحداها، يرى وجهًا غير وجهه، شخوصًا قادمة من أبعد نقاط جوارحه. كل ورقة كانت تصرخ فيه، لا عليه، كأنها ذاكرته وقد استيقظت بعد نوم طويل
رأى أيضًا أشجارًا كثيرة تنمو، كأنها غابة روحية أخرى. انبهر لما شاهد الدلاء تُعلّق بالأغصان، ووعى بالرسالة المنوطة به: السقي والاعتناء. ومن بعيد لمح ضوء القناديل يتجه نحوه، فتحول إلى صورة مختلفة تمامًا عن شكله الأول. أحس بنشوة الانتصار، لكن المنازع كان دخانًا يتطاير في السماء، بينما تعود الابتسامة إلى وجهه وهو يعيد تشبيك أوتار قيثارته الأولى
ومن فجر الأدغال خرج من نفسه، شمّ رائحة الأرض، فكانت تشبه طفولته، تلك اللحظة التي أضاع فيها أول لعبة، ووجد بدلها حجرًا لامعًا، ومنذئذٍ ظن أن اللمعان هو المعنى
اقترب من بركة الماء التي لم تعد عكرة، فرأى فيها وجهًا يشبهه ولا يشبهه، نصفه بشر ونصفه ورق أخضر يرتجف. ويُقال في القرية إن تلك البركة ما زالت تلمع كل فجر، ومن ينظر فيها طويلًا يرى وجهه يورق قليلًا، ثم يبتسم كما ابتسم زيلوس، حين أدرك أن الحقيقة تنبت من الرماد
.فابتسم، كأن ابتسامته هي الدرس الأخير في الفلسفة

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.