dimanche 5 octobre 2025

على وسادة الهوى ( مقطع 8 من مشروع رواية) // محمد الكروي // المغرب

 

لم تحبل كلثوم والزمان ذكرى أولى على زواجها مما جعلها وزوجها المبروك عرضة لنهش الألسنة المسمومة من كلا الجنسين ، فهناك من يلصق لافتة العقم بالمبروك ، مقابل فريق أخر يريحه أن تكون كلثوم هي العاقر، مسترسلة ومنتظمة تجري دورة العادة يغسلها حمام ساخن دون أثرها النفسي على الزوجين ، الذين باتا تحت ضغط اجتماعي لم يخطر على بالهما مدى اهتمام و انتظار الغير، وضبة الكلام الجريح والقاتل الصادرين عن البتول ، التي بدأت تتلمس طريقها نحو الراحة وهي تقارن بينها وبين كلثوم الوردة اليانعة :
- اكْفَاكْ زِينْكْ ، شُفِيهْ فْلْمْرَيَا ، أَمَّا أَنَا وْالْحَمْدُ لله هَا هُوَّ الزِّينْ كَيْكْبَرْ بْجْنْبِي .
في غفلة من الأسماع والأبصار التي أصابها الملل فلجأت إلى التخلي طواعية كما أقبلت طواعية ومسايرة للفراغ - وكان من الأجدى توظيفه في تطوير مهارة/ موهبة -أول مرة بما تصادف من معزوفات فرجة الأيام التي تود معرفة كل حدث يكشف عنه ميلاد يوم جديد ، بهما تحتفي على حلقة قيل وقال القلقين لسكينة النفس الضجرة من الرتابة ورؤية نفس الوجوه.
يدا في يد قصد المبروك وكلثوم أخصائي لمعرفة سبب تأخر الحمل ، ويديهما على قلبيهما اللذين تكاد تسمع نبضاتهما توسلا لفرج بعد ضيق يرضي العريسين ، إثر الفحص والأجوبة عن بعض الأسئلة طمأن الطبيب الزوجين بسلامتهما فكل ما يلزمهما راحة نفسية هي بمثابة عش يحتضن البيض ، على نبرة الكلام الرزين للطبيب البشوش والمحيا الصبوح تعلوه نظارة طبية انتشى الحبيبان ، وعنان السماء حلقا كعصفورين متناسيان ما حز في النفس من أسى فائت ، من سطوع الشمس إلى بزوغ وخفوت القمر يمرحان كطفلين بريئين شال الماء ، من مزركش أزهار بألوان الطيف مرعي قطعان النحل الملتجئة إلى أكناف صناديق أقحوانية ، قدم وسفح الجبل ذي الظلال الوارفة و العيون المتدفقة لجينا صافيا ، ينث رذاذا يلثم الوجهين بردا وسلاما وهما يلعبان لعبة غميضة تارة وتارة أخرى لعبة المطاردة، ومتابعة للاستجمام نحو البحر فرخا حمام ترف كلثوم والمبروك ، رمال الشاطئ على وقع صخب الموج المتدافع المتراجع ، استعدادا لهجوم لولبي يعيده كرة وكرة ، إلى أن ينال منه الوهن مراده فيخر أرضا كفرس أنهكه الكر والفر . توازيا لهذا تعيش البتول عزلتها الحرجة التي ضربتها على نفسها ،وحتى تداريها وتخفف من شدتها قلبت البيت رأسا على عقب ، فغيرت أمكنة بابي الغرفتين فعلى نفس الجدار بين فتحتين قديمة وجديدة يتجدد الباب المتهالك ، وكذا اثنتين من النوافذ ، إلى جانب تحويل السلم من مدخل الدار إلى أخر زاوية فيها ، مما ترتب عنه فقدان كثير من الرونق والسعة والضياء وأساسا التهوية ،كل هذا والبتول متباهية بعملها الذي أحدث تغييرا في البيت ، ولم يبق على ريال واحد في الجيب ،وهروبا من صداع الهدم والبناء وثقل وحدتها ورائحة الطين والندى ، قصدت بيت كلثوم مع ابنتها حفصة في زيارة ظاهرها يتوخى بسلامة العودة الميمونة وباطنها استطلاع علامات الحمل ، فوجئت البتول بيناعة ونظارة وخفة وحيوية كلثوم ، مستقبلتها بالأحضان وكذا ملاطفة الصغيرة رقة ناعمة ، مع إهدائها لعبة عروس جذابة وعلبة حلويات ، زادتا من حيرة و إرباك البتول ،فكلثوم باسمة الثغر لاكدر ينغص إقبالها على الحياة مهما كان شأنه.
مغمومة عادت البتول إلى بيتها تجر خلفها ذيول الخيبة التي طرزتها كلثوم بأسلاك من نور إحساس حالم بمن يمتص حملات صد ر مكتنز، في أتون شهرين من زيارة الطبيب غاب الخيط الأحمر ، فهلل وجه كلثوم نورا مشرقا وهي تزف البشرى الغالية في أذن زوجها المبروك ، الذي لم تتسع رحابة الدنيا لفرحته، كالنار في الهشيم انتشر الخبر في الدرب ، فعلم القاصي والداني بخبر الحمل وقيئه ووحمه وأوجاعه واضطراباته ، التي تهون أمام كلمتي ماما/بابا حلما شد إليه الأبصار، فكل يوم يمضي يقترب نيل المرام المؤثت حديثا طريفا حول جنسه يختمه الحبيبان بكلمة تكاد تكون متشابهة :
- أَنْا أبْغِتْ يْشْبَهْ أبَّاهْ.
يشكر المبروك نبل زوجته بفيض من الحب والحنان وهو يعبر عن مكنون صدره :
- وَأَنَا أبْغِتْهَا أبْحَالْ أمْهَا .
في جناح الولادة وضعت كلثوم مبروكا صغيرا وكلثوم صغيرة ، وكأن القدر خفق لخفقي الحبيبين فلبى منى العيون الملحاحة ،والأكف الضارعة والنجوى المتسولة كل حين ، في صمت عرفت ثناياه تأملا أفضى إلى اختيار اسمين لفرخيهما : حبيب وحبيبة فها هي تبتسم بعد غيمة أطبق جناحها الأفق ، المنهش ريحا مزقت السواد أشلاء ، فانهمر النور في كل مكان ينثر السعادة مطهرة الروح من براثين قلق الأمس ، احتفل المبروك بسلامة زوجته بذبح وتنويع في التغذية والفاكهة جافة وطرية ، تعويضا لها مما لحقها من وهن وضعف ،وتضاعف كرمه واهتمامه بحضور الخادمة محجوبة خدمة لأغراض البيت من كنس وطهي وغسيل و تخبيز، لتنصرف كلثوم إلى العناية بالصغيرين ولا شيء أخر قبل وبعد الصغيرين المكرمين ، بخروفين وحضور الجيران والأحبة وفقهاء يتلون الذكروبالأمداح يصدحون على جوق بلدي ، يطرب بآنغامه الساحرة الأفئدة التائهة عتمات ومضايق الليالي الخوالي ، معتصرة النفس دمعة عصية على الخد منسابة ، ذكرى ذات يوم لن يمحوها تقادم العهد ،المشوب ببعض النسيان والغفلة تتقدم عبرهما عجلة الحياة المباركة أغاريد تلو أغاريد وختان قرة العين حبيب ضحى اليوم الثاني ، حيث رددت القوارير محفوظاتها على وقع الكؤوس والصواني وتصفيقات أكف مخضبة بالحناء ، زاد من جمالها خواتم ودمالج المعاصم البيضاء / السمراء واسترخاء مفاتين تنيات الأجساد الطرية الخلابة بألوان فساتينها الدافئة، كل هذا الحفل البهيج الذي لم يهمل كبيرة ولا صغيرة ، أجج نار الغيرة والحقد الأعمى في قلوب كثيرة وأولها البتول ، مجبرة زوجها على البحث عن عمل ثان ، يساعد في تحسين وضع الأسرة مع تعويض المصروف الثقيل الخاص بالأفواه الزائدة عليها وزوجها وابنتها ، تنام البتول ملء جفنيها وتنقلب كلما شعرت بالتعب ، وعبد العظيم عمل مسترسل بالليل والنهار وقد استعطف مناوبه بالحراسة ليلا ، حتى يتمكن من تجاوز محنته التي لا تنتهي إلا لتبدأ شكلا غير منتظر، يمتص موفور شهرين إلى ثلاثة أشهر، ثم تعاد الكرة مرة ومرة وهي تحصد الهباء ، لكونها لا تحفل بما بين يديها قدر تعلق عينيها بما لدى الآخرين ، حتى وإن كان تافها فهو غال على اعتبار صاحبه غير المهتم كثيرا بالأمر، ثم الغالي الحالم بحفر بئر بالحقل وهو ينشد مساندة المبروك العاجز عن تلبية الحاجة ، لكنه أمام هذا الوضع الحرج لم يبخل عليه بالفكرة بسبب فراغ اليدين ، فكل العوض كان في رسم خطة ستريحه من الكثير من المصاريف ، إلا أن الغالي-على ما يبدو على وجهه- من ذلك النوع من الناس الذين لا يقنعون بأنصاف الحلول في لحظة تحتمها الظروف ،فبات قليل الحضور ثم نادره إلى أن تهاوت العلاقة كجريدة ميتة ، أما عبد الواحد وإن كان لا يحب الكلام والسؤال يتجنب فهو طقطقة لهيب نار ما فتئت تأكل ذاتها حسدا وحقدا زينا لصاحبهما أن غريمه ينعم برغد عيش ، لا أساس له حتى في عالم الأحلام الخادع كالبرق أضواء خاطفة .والغمار زحف نحو تجاوز ارباك أشواك دامية اعترضت سبيل المنى ناثر الأحراش ، ورودا وزنابق تحث النفس على مزيد من البذل ، الذي قد لا تواتيه الظروف في قطاف يثلج الصدر، يقلب المبروك الصفحة وكله أمل أن تتحسن الأحوال و سلسة تدور العجلة ، لكن الحظ السيء كان يتربص بالمبروك حيث اعترضت طريقه واحدة من أثقل المحن ، وأشدها مرارة من سابقاتها التي لا تقترب منها حتى بواحد في المئة ،فذات صباح تقف بالدكان امرأة من جوار الجوار على معرفة وقرابة متباعدة ، لمناسبة مباغتة قضت مرادها كاملا مما أغناها عن السؤال ،والخروج والتنقل بين الدكاكين ، اضافة إلى الثمن المناسب الذي لم يغرب عنه حق الجار على الجار، والصلة وظرف المناسبة غير المنتظر على الأقل في تلك اللحظة ،المرغمة على تلبية المرام والإيقاع لازمة تردد - في ضيق ينفرج مع تواجد الحاجة - خاص وخاص ، جمع كل شيء وتمت مراجعة الحساب مرتين ، لتنطق الفاتورة رقمها الثقيل ، في لمح البصر ودون مقدمة سلت المرأة دملج معصمها ، ووضعته عربون أمان فوق مجموع الواجب ، لكن كبر همة المبروك -خطأ الطيب كونه يرى الناس طيبين مثله - أبت عليه أخذ الضمانة ، وهو يصر ويلح على عدم التأخير ، مرت أيام وأيام فأرسل يطلب المستحق ، ليتفاجأ بألا أحد في الدار وأن الأهل على سفر ، ولا مناسبة ولا هم يحزنون ،لتكشف مطاردة الليل والنهار بعد الإلحاح في تسديد الدين : أن المرأة كانت ترغب شراء الدكان الدي فاز به المبروك ، بفارق لابأس به ودون علم منه بوجود مشترية ظاهرة ، لم تمل كفة السوق نحوها الشيء الدي أضرم نار الضغينة بين ضلوعها ، متخذة كسكن لها شغاف قلبها ذي الفيض الغامر، من الكره والحقد فكادت كيدها الحارق نحو برئ ، لم يأت سوء لا بيده ولا برجله ولا حتى بلسانه .
فوض المبروك أمره إلى الله ، ولما شاع الخبر تفجرت الألسن حكايات متنوعة ، كلها تنم عن خبث يتجنبه المحيط تفاديا لأي تماس أو صدام لاحد لعواقبه الوخيمة :
- قْرْصَ فْجْمَلْ وْلاَ يْخْرَجْ مَانْعْ .
نكاية في صاحبة الفعلة الحقيرة مستنكرا ومساندا هب كل من سمع بهذا التردي الأخلاقي ، المكبل بسميك وخشن حبال أنا أنا الفاقدة لكل احساس نبيل ، يغذي الروح ونوافذ الأفق الوردي يشرع أمامها.
من بين العارضين للمساعدة والذين شكرهم المبروك على تضحيتهم ، ملتمسا منهم الاحتفاظ بها ريثما يتبين ما يؤول إليه تدافع موج الأيام، زبون محترم يدعى حماني ، حسن الهندام نظيف السريرة ، يعيش وزوجته حليمة في سعادة ووئام ، يرجوان من يثلث عشهما المشرئب الى النغنغة والحبور وغمضة مريحة ، تستغلها حليمة في لمسة صباحية لأغراض البيت ، المتقاسم وأناس يرتاحون وهم يرتادون الحمام الشعبي أو أثناء زيارة الطبيب أو حتى خلال التسوق وبيوتهم على مرمى حجر، فتضايق حماني وإحجامه عن الكلام لا يحرك فيهم ساكنا ، فالأساس عند هؤلاء وهؤلاء تغيير المكان والجو ، لفت انتباه المبروك أن تبضع حماني يتجاوزه إلى مؤونة أسرة من ستة أفراد، تبسم المبروك ابتسامة تجمع بين العطف والدهشة وهو يعرض على حماني قصته ، التي بدأت تتشابك خيوطها بعد أن رحل إلى قرب دكانه منطلق بعض المتبضعين جهة داره ،وغيرهم ممن لم يبيعوا حمل تمر أو كيس حب من قمح - شعير أو نعجة ، فلا ضير أن تداع عند المبروك إلى يوم السوق المقبل ، بل هناك من يدخل ويخرج ويطرح ويهز وكأنه في داره، فهؤلاء يتمسكون بما عفا عليه الدهر من ميت العادات التي لا مصوغ لها الآن ، وأولهم وأخرهم كثيرة القدمين المفلجين ونعليهما لون أسود مغبر تود لو تحتل ركنا في البيت، تبيع مدقوق سرغينة والحناء والمسواك والكحل والبخور والحرقوس شامات جانبي العينين و خدود الورد وأرنبة الأنف و خط عمودي أسفل الشفة السفلى ،إلى كلام عام يتخلص تدريجيا من عباءته الفضفاضة وهو يحوم حول المبروك كطائر جريح ، في عيون مرعبة رمت هدفها في صمت حال بينه بغتة ما لم يكن في الحسبان ، وواقع الحال اضطراب يضرب الأخماس في الأسداس وفحوى القول منثور يجلوه مع الأيام لسان متعثر يلوك غريبا دخيلا عليه. بطرفة تحفظ ماء الوجه عبر المبروك عن رفضه لهذا السلوك المرهق كثيرا ليجد نفسه وكأنه يحلب في حلاب لا يحتفط بخيط الحليب ، فلا أحد يهرب مما يخاله دار العرس ، فكلثوم لا تساير زوجها وإن كانت تتقاسم وإياه نفس الفكرة ، لسبب يعود إلى كونها تحب أن تظهر بمظهر زوجة التاجر، فلا يهمها كونه بائعا بالتقسيط الذي لا تريد له أي تداول في منطوقها.







Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.