...هذا الغروب ينبش بقسوة ماتبقى من آثار الأمس
..فنجان القهوة المعد على عجل يتوسط المائدة كالمعتاد
..الدخان المتصاعد من الإناء يرسم تموجات واشكالا هلامية
تتأملها سناء ولا تنتبه....فخيالها الجامح يركض بعيدا كدأبه كل يوم..بل كل لحظة
شهر مضى كأنه عام..المنظر نفسه...حقول شاسعة علت الصفرة نباتها...انعكاس أشعة الشمس يتلألأ فوق أديم مياه الغدير...الأغصان المثقلة بثمار التين تتمايل إلى الأسفل.
هي هنا منذ مدة..تلهو بجمع الأقحوان..يمتد بصرها بين الحين والآخر إلى مطلع الطريق الضيق
يطول الانتظار..تعد الأزهار وتصدح بأهازيج منطقتها...يداعب سمعها صفير يقترب رويدا.. تتطلع ببصرها إلى الطريق..يلوح في الأفق وجه ضاحك يمتطي دراجة هوائية
يلوح بيديه ..تركض في الاتجاه المعاكس..نداءاته تجعلها تسرع أكثر....تتشابك.. الأيدي...تمتزج ضحكاتهما (ضحكاتها بضحكاته)
.. يرن الهاتف مرتين
تصحو سناء من غفوتها ..برودة الفنجان توحي بأن الحلم هذه المرة استمر أطول من المعتاد ..ربما أطول مما ينبغي
كشوكة حادة تتضخم الغصة في حلقها.. تلتفت ببطء إلى الصورة المعلقة بالجدار ..شعر أسود لامع غطت قبعة التخرج نصفه
..ثغر جميل و عينان باسمان.. .الشريط الأسود لايزال في الركن
مدت يدها، نزعت الإطار من مكانه..وضعته على صدرها..تنهدت .. آهاتها تعانق الذكرى ..أحست أنها على استعداد لأن تدفع عمرها كله ثمن لحظة تستنشق فيها عطر أنفاسه
داعب سمعها صوت صفير آت من الحديقة...ابتسامة تغالب الدموع..أبعدت طاولة القهوة بعنف...مرقت من باب الغرفة
الصفير يتباعد..نحيبها يعلو....يعود الهاتف إلى الرنين...سقطت على سريرها...تضغط بالمخدة على رأسها كمن يقاوم صوتا مرعبا ..كمن يسجن ذكرى..كمن يتمنى لو ينتهي كل شيء.

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.