كل أصدقائه وزملائه وجل الذين من سنه تزوجوا وخلفوا أبناء، بل منهم من أصبح له أحفاد، إلا قدور الذي ظل متشبثا بوحدته، وفيا لها، لم تفد نصائح الأهل ولا تشجيع الأصدقاء في تغيير موقفه، كلما فاتحوه في موضوع الزواج لاحظوا اضطرابه وامتعاضه، ولم يسمعوا منه يوما مبررا لرفضه،فكان يحني رأسه وتعلو وجهه حمرة الخجل ويشرع في الضغط على كفيه، فصاروا يتحاشون الحديث معه في هذا الموضوع تجنبا لإزعاجه ورفقا بأعصابه...
لم تترك أم قدور منجما في المدينة و لا عشابا إلا زارته وحكت له حالة ابنها البكر، كلما دخل قدور المنزل استقبلته أمه بدخان البخور، وأجبرته أحيانا على تجرع شراب مر من الأعشاب، تدعو له في صلواتها بفك الحصار المضروب على رجولته، وكان يساير أمه ويخضع لأوامرها، الأمر الوحيد الذي ظل تنفيذه معلقا هو أمر زواجه، كانت تشعر بمعاناته و كان يعلم مقدار حزنها عليه... لم يعد قدور يستطيع تحمل نظرات الناس، ولم يعد في مقدوره رؤية أمه تتألم من أجله، وأصبح الزواج بالنسبة له تحديا وضرورة تعيد له الاعتبار كرجل كامل الرجولة، وتريح أمه العجوز من معاناتها بسببه، وما زاد من تأزمه الإشاعة التي سمعها تروج في السوق وتعتبره متزوجا بجنية، فطن قدور إلى خطورة تداعيات عزوفه عن الزواج، وصار يبحث عن حل يسكت به أفواه الفضوليين...
مهنته كتاجر للوازم النسائية تجعله في تواصل يومي مع النساء من مختلف الأعمار والأنواع، يقبلن على دكانه بكثافة، ويجدن عنده كل ما يحتجن له من أدوات الزينة ومساحيق التجميل والملابس الخفيفة، حسن معاملته وتساهله مع زبوناته جلب له سمعة جعلت النساء يفضلن التعامل معه عن غيره من التجار المجاورين له في السوق المختص في بيع اللوازم النسائية...
علاقة قدور بالنساء لا تتجاوز علاقة تاجر بزبونه، رسم خطوطا حمراء لهذه العلاقة، وحديثه معهن لا يدور إلا حول أنواع السلع وأسعارها ودرجة جودتها، وقبل كل ذلك وبعده تحية في حدود اللباقة والاحترام...
قرر قدور أن يختار امرأة تناسبه من بين زبوناته، كلما دخلت الدكان واحدة منهن أخذ يتأملها بنظرات فاحصة، يقدر سنها، ويحلل تصرفاتها، ويخمن هل هي متزوجة أم مازالت تنتظر حظها، تغير سلوكه مع زبوناته، نظراته الفاحصة أثارت انتباههن، وكانت تدفع بعضهن إلى مغادرة الدكان دون إتمام عملية البيع، لا حظ قدور أن الإقبال على سلعته بدأ في التراجع، وأن كل المواظبات على دكانه استغنين عن سلعته، ورآهن يقبلن على الدكاكين الأخرى، إلا واحدة ظلت وفية لسلعته،مستأنسة بنظراته المتفحصة و أصبحت تزور دكانه مرات متكررة في الأسبوع، حتى تعود قدور على زياراتها، وضبط أيامها ومواقيتها، بل جمع عنها معلومات بطرقه الخاصة، تبعها وعرف عنوانها،سأل عنها وعلم أنها عازبة وسمعتها طيبة، وأنها رفضت الزواج أكثر من مرة من الذين تقدموا لخطبتها...
دخلت الفتاة الدكان، كان قدور ينتظر قدومها، وقف قبالتها وعيناه تنظر إلى أسفل قدميه، ثم أخرج العبارة بسرعة وفي دفعة واحدة وكأنه يريد التخلص من حمل ثقيل على كتفه:"أتقبلينني زوجا لك...؟"
أحنت الفتاة رأسها، وقفت قليلا وقالت له بصوت قريب من الهمس:" أنا أخاف من الرجال..."
ابتسم قدور، وقال بنفس النبرة الهامسة:" وأنا أخاف من النساء، فلنجرب، موافقة..."
ردت عليه دون أن تنظر إليه:"نعم، موافقة..."، ثم غادرت الدكان، شعر قدور لأول مرة بحرارة غريبة تسري في جسده...

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.