قبل اليوم بأعوام كثيرة، كان جدي الخامس ما يزال يعيش أحداثًا، يرى نفسه وكأنه يمتطي زمن الاستباق عموديًا، ليعيش رغباتنا، ونحن عبثه الذي جعله يعيش حياة أحفاده عبر أوطان مختلفة وأزمنة متشظية، يرى هيمنة العصور، وناقش فلسفة إيدكار، ورأى كيف عاش أحفاده كلٌّ باسمه، كتب رسائله من ماء المطر، يخلط دم جراحه بالسيول، فيكتب قصصًا لم تُروَ بعد؛ كتب الصدى المتردد، ورأى غابرييل يتسلم جائزة نوبل للآداب، كما كان يمدد أوراق بيكاسو، حيث كان ندى ديسمبر يبللها، عاش تكعيبة، واسترسل في مواجهة الثيران في ساحات ألميريا، وكان يردد أغاني عبد الحليم.
قبل ذلك، كان يربط أرجل الحمام برسائل عاطفية إلى سيدة تدعى ماريتا بعاصمة روسيا. ناولني ظرفًا مستعصيًا، رغم أنه لا يعرف أنني سأكون حفيده الخامس، وأنا من عشت كورونا وزلازل الحوز وغربة أمريكا، وصرت لا أطالب إلا بلعبة تسمى الويفي؛ يرى جدي أن هذه الارتدادات الكونية مجرد خرافة ستنتهي بالخلل الأكبر، وسيكون وقعها أشد من الانفجار العظيم.
كان جدي يعرف أبناءه فقط، أما نحن فكنا غرباء عنه، لم يكن يدري أنه يعيش زمنًا غير زمنه، لكنني أظن أنني تسرعت في كشف التاريخ المعكوس. فجدي ما يزال هناك، يعبر أيامه البسيطة، بينما نحن لم نولد بعد، كل ما يحدث الآن ليس سوى حكاية يرويها في سهراته، دون أن يعلم أن أحفاده سيعيشونها يومًا، هو الماضي الذي يحلم بالمستقبل، ونحن المستقبل الذي لم يستيقظ بعد من حلم الجد.
يتصاعد الدخان من بيت جدي، لا نيران مشتعلة ولا حريق يُذكر؛ كان ذلك استثناءً جديدًا من عالمه، حيث يقوى على العيش مئات السنين دون أن يطلع أحدًا على ذلك السر، دخانه حكاية نفسية يراها وحده، يراني أحمل لوحة ضوئية، ويتذكر خطورتها، لأنه عاش بعدي أيضًا بأعوام كثيرة، رغم أنني لم أولد بعد، فهو ينحاز إلى إنجازاتي البسيطة بحكم الفطرة الوجودية.
سألني عن كتبي، «رحلة في السراب»، وعن «عيون الفجر الزرقاء»، وناقش معي «صبي الطين الأبدي». أعجبته «ملكة الظل»، لكنه استغرب من حكايا الاغتراب، وطلب مني أن أسرد له عن قرية الأجداد والحيتان، لأن بعض أبنائه عاشوا قصة الغريق النائم بعدما أخلوهم من البلدة قصدًا، وجعلوها مسرحًا للتماسيح والأسماك الكبيرة،
لم يكن يهتم، لأنه يعيش الحدث بوهم هواجسي فقط، لكنه تعذب لألم أبنائه، أولئك الذين قهرهم الزمن خفيةً من الواقع.
على جدار جدي ساعة قديمة لا تحكي الزمن بوصفه وقتًا محددًا، بل كانت تكتفي بالعبارات، كتب بخط واضح: «الساعة تشير إلى ثلاثمائة سنة بعده»، فهم جدي أنه يعيش زمن المستحيلات، زمن التأريخ المعكوس، فالأحداث تربك حساباته، لأنه يرى تلابيب الخسران في بشرية تائهة؛ حروبًا وأمراضًا وكوارث، بل إن ما شده أكثر هو مرثية البكاء، حيث شهد التآمر البشري ضد بعضهم بعضًا، وندم على حضوره ذلك الزمن المستبد، وتمنى لو تجاوز التاريخ أحداثه في حدثي ذلك.
سألني جدي عن عدة أدوات، بدوري لا أعرفها، لأنها قاتلة وجارحة، سألني عن الطائرات المسيّرة (الدرون)، وعن القنابل المسيلة للدموع، ألحّ عليّ أن أبحث عن تعريف هذه الأشياء، لأنه يؤمن بالمعرفة المطلقة، لذلك بلغ مدارك علمية واسعة أنارت له البحث في فلسفة المستقبل، لكنه تأسف طويلًا لكل هذا المكر الجارح، سألني عن الطب، فكلمته عن الذكاء الاصطناعي، وعن الأشعة وألوانها الغائرة، لكنه يعرف كثيرًا عن الطب، وأدرك مستقبلًا لم أصله بعد، لأنه أخبرني عن أحفادي، فذكر أسباطي، كل واحد باسمه، وعلمني كثيرًا من طرق النجاة، وكان يشير إلى خزانة حائطية في بيتي، كأنه يعلم أن بها كتبًا لم أقرأها بعد، لذلك صار يلح عليّ كثيرًا بأن أدرس كل ما يتاح لي، وعلمني أن الوجود لحظة، وأن ما نتركه للإنسانية هو ما يدوم طويلًا، فعلينا أن نتعلم ونعلم.
سألني عن بعض الحكام، فلم أجبه، لأنني لا أعرف شيئًا، لكنه ابتسم وفهم خوفي، لم أكن خائفًا، ولكنه ربما يحمل مرآة داخلية تقرأ الأرواح والنبرات، سألني عمن أكون، فكنت أجيبه بأني بسيط وفق زمن صعب، فأشار إلى كتبي، لحد الآن لم أفهم قصده، خفت أن يرحل عني دون أن أسمع منه أشياء أخرى وأمورًا كثيرة.
لكن لو سمعت من جدي كل تفاصيل المستقبل عني، فبماذا سأواجه الحياة والولادة التي تنتظرني؟ سأكون منتبهًا لكي لا أسقط أمام المواقف التي حكاها لي عبر مستقبله في ماضيه، لذلك لن أسأل، لكي أعتاد على المواقف حين يصل دوري للحياة، ورغم أن ما حكاه كان صعبًا، فإنه يعيش مع أحفادي، تاركًا إياي وراءه بمئات السنين.
ربما يمتطي الآن كرسيًا إلكترونيًا نحو السحاب، وفي يده آلة تنسل منها الأرقام، بها يعد النجوم والكواكب، أخبرني أني لست منسيًا، لأني أحمل رزمة كتب لي، البصمة مهمة وجارية، أما هو فكائن مختلف، يعيشني وأنا غير موجود، ويعيش نفسه في حلم لا ينتهي...

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.