lundi 29 juin 2026

اللغة العربية لغة العلوم كما هي لغة الآداب // حميد بركي // المغرب

 

اللغة العربية من أعرق لغات العالم وأكثرها ثراءً ومرونةً، وقد ارتبطت في أذهان الناس بالأدب والشعر والخطابة والبلاغة، لما تتميز به من جمال في التعبير ودقة في التصوير وقوة في البيان، غير أنها لم تكن يومًا لغة الأدب وحده، فهي للعلم والمعرفة والحضارة، فقد استطاعت عبر قرون طويلة أن تؤدي دورًا رياديًا في نقل العلوم وتطويرها ونشرها بين الشعوب.
لقد شهدت الحضارة العربية الإسلامية نهضة علمية كبرى جعلت من اللغة العربية لغةً عالمية للعلوم، ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تعيش فترات من الركود العلمي، ازدهرت مراكز العلم في بغداد ودمشق والقاهرة وقرطبة، وأصبحت العربية لغة البحث والتأليف والتعليم، فدُوِّنت بها الكتب في الطب والصيدلة والفلك والرياضيات والهندسة والكيمياء والجغرافيا والفلسفة، وأقبل العلماء من مختلف الأجناس على تعلمها للاستفادة من كنوز المعرفة المكتوبة بها.
ولم يقتصر دورها على ترجمة العلوم القديمة من الحضارات اليونانية والفارسية والهندية، فقد تجاوز ذلك إلى الإبداع والإضافة والتطوير، فقد قدّم العلماء العرب والمسلمون إنجازات علمية عظيمة، وسجلوا اكتشافاتهم باللغة العربية، مما جعلها لغةً حيةً للبحث العلمي، ومن خلال هذه المؤلفات انتقلت المعارف إلى أوروبا، حيث تُرجمت الكتب العربية إلى اللاتينية وأسهمت في قيام النهضة الأوروبية الحديثة،
ومن أهم ما يميزها قدرتها الكبيرة على الاشتقاق والتوليد، وهي خاصية تجعلها قادرة على استيعاب المفاهيم العلمية الجديدة وصياغة المصطلحات المناسبة لها، فالكلمة العربية يمكن أن تُشتق منها كلمات متعددة تؤدي معاني دقيقة ومتنوعة، الأمر الذي يساعد على إثراء المعجم العلمي وتطويره باستمرار، ولهذا استطاعت أن تحافظ على عدد كبير من المصطلحات العلمية وأن تنقلها إلى الأجيال المتعاقبة دون أن تفقد دقتها أو وضوحها،
كما أسهمت في حفظ التراث العلمي الإنساني من الضياع، إذ احتضنت مؤلفات العلماء ودوّنت المعارف في مختلف المجالات، وقد بقيت آلاف المخطوطات العلمية العربية محفوظة في المكتبات العالمية شاهدة على الدور الحضاري الذي أدته هذه اللغة في خدمة العلم والمعرفة. وما زالت بعض المصطلحات ذات الأصل العربي مستخدمة في عدد من اللغات الأجنبية، وهو دليل على التأثير العميق الذي تركته العربية في تاريخ العلوم.
وفي عصرنا الحاضر، لا تزال اللغة العربية تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون لغة علم وتقنية، فهي لغة واسعة المفردات، دقيقة التراكيب، قادرة على استيعاب المستجدات العلمية والتكنولوجية. غير أن تحقيق ذلك يتطلب مزيدًا من الاهتمام بالتعريب، وتشجيع البحث العلمي باللغة العربية، وإعداد المعاجم والمصطلحات الحديثة التي تواكب التطورات المتسارعة في مختلف المجالات.
إن الحفاظ على اللغة العربية والاعتزاز بها يعني يعني الاستفادة من التقدم العلمي العالمي مع المحافظة على الهوية اللغوية والثقافية للأمة، فاللغات الحية هي التي تجمع بين الأصالة والتجديد، والعربية قادرة على ذلك بما تمتلكه من تاريخ عريق وإمكانات كبيرة.
وفي الختام، تبقى اللغة العربية لغة الآداب والعلوم معًا، فقد أبدعت في ميادين الشعر والبلاغة كما أبدعت في ميادين الطب والفلك والرياضيات وسائر العلوم. وقد أسهمت في حفظ المصطلحات العلمية ونقل المعارف بين الأمم، وكانت جسرًا حضاريًا وصل بين الماضي والحاضر. ومن واجبنا اليوم أن نواصل العناية بها وتطويرها حتى تظل لغةً قادرة على مواكبة التقدم وخدمة العلم والإنسانية.







Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.