lundi 22 juin 2026

البعث والإحياء // حميد بركي // المغرب

 

قد ارتبطت حركة البعث والإحياء في الشعر العربي الحديث بجملة من التحولات الفكرية والثقافية التي عرفها العالم العربي خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، فقد ساهمت ظروف الحياة العامة آنذاك، بما رافقها من دعوات إصلاحية ونزعات سلفية محافظة، في توجيه عدد من الشعراء نحو استعادة التراث الشعري العربي واستلهام نماذجه الكبرى، ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذا الاتجاه علال الفاسي وعبد الله كنون وغيرهما من الأدباء الذين رأوا في العودة إلى الأصول الأدبية العربية سبيلًا لإحياء الهوية الثقافية واسترجاع مظاهر القوة الحضارية للأمة، ولم يكن هذا التوجه معزولًا عن السياق الإنساني العام، إذ عرف الأدب الغربي بدوره حركات مشابهة تمثلت في إحياء التراث اليوناني والروماني واستعادة النماذج الكلاسيكية الكبرى، في نوع من البحث عن الجذور الثقافية التي يمكن أن تشكل منطلقًا لنهضة جديدة.1
غير أن حركة البعث والإحياء، على الرغم من المكانة التي احتلتها في المشهد الشعري العربي الحديث، لم تستمر منفردة في توجيه الحركة الشعرية، فسرعان ما وجدت نفسها في مواجهة اتجاهات جديدة سعت إلى تجاوز النموذج التقليدي وإعادة النظر في مفهوم الإبداع الشعري ووظيفته، وفي هذا السياق برزت حركة التجربة الذاتية أو التيار الرومانسي باعتبارها من أبرز الحركات التجديدية التي عرفها الشعر العربي الحديث، حيث انطلقت من نقد الأسس التي قامت عليها المدرسة الإحيائية، خاصة ما تعلق منها بسيادة النموذج الموروث وهيمنة النزعة التقليدية في بناء القصيدة وصياغة التجربة الشعرية.2 وقد مثلت الرومانسية العربية تحولًا نوعيًا في النظر إلى الشعر، إذ جعلت من الذات الإنسانية محورًا للعمل الإبداعي ومنبعًا للتجربة الشعرية، فبعد أن كان الشاعر الإحيائي يسعى إلى تمثل النماذج القديمة ومحاكاتها، أصبح الشاعر الرومانسي ينطلق من ذاته ليعبر عن مشاعره وأحاسيسه وتأملاته الخاصة، وهكذا اتخذ التعبير الشعري بعدين متكاملين؛ بعدًا وجدانيًا عاطفيًا يتجلى في تصوير الانفعالات والأحاسيس الإنسانية، وبعدًا فكريًا تأمليًا يعكس رؤية الشاعر للوجود والحياة والطبيعة والإنسان، وقد أدى هذا التحول إلى إعادة الاعتبار للذات المبدعة التي كانت مهمشة في ظل هيمنة النزعة المحافظة، فأصبحت القصيدة مجالًا رحبًا للتعبير عن القلق والأمل والحب والحزن والتأمل الوجودي3 وقد ساهمت في ترسيخ هذا الاتجاه الرومانسي ثلاث جماعات أدبية كبرى كان لها أثر بالغ في تطوير الشعر العربي الحديث، وهي جماعة الديوان، والرابطة القلمية ضمن أدب المهجر، وجماعة أبولو. وقد اختلفت هذه الجماعات في منطلقاتها الفكرية وفي بعض تصوراتها الفنية، لكنها التقت جميعًا حول ضرورة تحرير الشعر من الجمود التقليدي، وجعل التجربة الذاتية أساسًا للعمل الشعري ومصدرًا لشرعيته الفنية.4 ومع ظهور هذه الجماعات بدأت ملامح التجديد تتضح أكثر في بنية القصيدة العربية. صحيح أن هذه المحاولات لم تصل إلى درجة الجرأة التي ستبلغها حركة الشعر الحر وشعر الحداثة لاحقًا، إلا أنها شكلت خطوة أساسية في مسار التطور الشعري، فقد عمل شعراء الرومانسية على إدخال تعديلات متعددة على البناء التقليدي للقصيدة، سواء من خلال تنويع القوافي أو اعتماد نظام المقاطع الشعرية أو توسيع إمكانات التضمين، وهو ما أسهم في زعزعة قداسة الشكل العمودي الموروث وتهيئة الأرضية المناسبة للتحولات اللاحقة التي ستعرفها القصيدة العربية.
وفي هذا الإطار يرى أحمد المعداوي المجاطي في كتابه «ظاهرة الشعر الحديث»، ولاسيما في القسم الثاني من الفصل الأول، أن التحول الرومانسي لم يقتصر على مستوى الموضوعات والرؤى، فقد شمل كذلك اللغة والصورة الشعرية، وبهذا انتقلت اللغة من القوة والجزالة التي ميزت شعر الإحياء إلى لغة أكثر بساطة ومرونة وشفافية، دون أن تسقط في الابتذال أو الركاكة، فأصبحت لغة الشعر أقرب إلى لغة الحياة اليومية والتجربة الإنسانية المباشرة، كما هو واضح عند عباس محمود العقاد، في حين اتخذت عند إيليا أبي ماضي طابعًا نثريًا واضحًا يعكس طبيعة رؤيته الشعرية، أما الصورة الشعرية فقد تحولت من مجرد وسيلة للزخرفة البيانية إلى أداة للكشف عن التجربة الداخلية للشاعر، وأصبحت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا برؤيته الخاصة للعالم والوجود، بحيث صار القارئ يرى التجربة من خلال الصورة لا من خلال الوصف المباشر لها 5
وقد تجسدت هذه التحولات من خلال جماعات أدبية متعددة اشتغلت على تطوير الشعر العربي وتحريره من قيود التقليد، فرغم اختلاف خلفياتها الفكرية والجغرافية، فإنها اشتركت في مجموعة من المبادئ الأساسية، أهمها اعتبار الشعر تعبيرًا عن الوجدان الإنساني وتجسيدًا للمشاعر الفردية وتجربة ذاتية صادقة تستمد قيمتها من عمق الإحساس وقوة التأثير الفني.6 .
فجماعة الديوان، التي ضمت عبد الرحمن شكري وعباس محمود العقاد وإبراهيم المازني، أكدت على أهمية الصدق النفسي في التجربة الشعرية وربطت الشعر بالفكر والتأمل، معتبرة أن القصيدة تعبير عن العاطفة وإنما هي أيضًا وسيلة لفهم الوجود والتفاعل معه، أما شعراء المهجر، وفي مقدمتهم جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة ونسيب عريضة ورشيد أيوب وغيرهم، فقد وسعوا أفق التجربة الذاتية من خلال ربطها بقضايا الإنسان الكبرى وبالطبيعة والكون، فجعلوا من الشعر فضاءً للتأمل الروحي والبحث عن الحرية والانسجام مع الوجود. كما اتجه بعضهم إلى تمجيد الطبيعة والاحتماء بها هربًا من صخب المدينة وضغوط الحضارة الحديثة.
أما جماعة أبولو، التي ضمت أسماء بارزة مثل خليل مطران وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي وزكي مبارك وعبد المعطي الهمشري وأبي القاسم الشابي وعبد الكريم بن ثابت، فقد أولت أهمية خاصة للجانب العاطفي والوجداني، وربطت بين الطبيعة والمرأة والحلم والأمل من جهة، وبين الحزن واليأس والإحساس بالغربة من جهة أخرى، لذلك غلب على شعرها الطابع الوجداني العميق، وانتشرت فيه صور الطبيعة الحالمة والمرأة المثالية والحنين إلى عوالم أكثر صفاءً وجمالًا. كما شكل الإحساس بالوحدة والقلق الوجودي واليأس من الواقع سمات بارزة في الكثير من نصوصها الشعرية.7 وعلى الرغم من القيمة التجديدية التي حققتها الحركة الرومانسية في الشعر العربي الحديث، فإنها لم تستطع الاستمرار طويلًا بوصفها الاتجاه المهيمن على الساحة الأدبية. فقد أدى إصرار عدد من شعرائها على تكرار المضامين نفسها، واستعادة الموضوعات ذاتها المرتبطة بالشكوى والحزن والتأمل الذاتي، إلى نوع من الانغلاق داخل دائرة محدودة من التجارب والرؤى. كما أن المبالغة في تمجيد الذات والتركيز على المعاناة الفردية جعلت الكثير من النصوص تميل إلى النزعة التشاؤمية والاستغراق في البكاء والأنين، الأمر الذي أضعف قدرتها على ملامسة القضايا الجماعية والهموم الاجتماعية الأوسع.
ومن الناحية الفنية، ورغم ما حققته الرومانسية من تطور في الشكل الشعري، فإنها لم تنجح في بلورة نموذج بنائي جديد مكتمل الملامح قادر على تجاوز القصيدة التقليدية بصورة جذرية، ومع ذلك يبقى فضلها كبيرًا في زعزعة الثوابت الشكلية الموروثة، وفتح المجال أمام الأجيال اللاحقة لتطوير أشكال تعبيرية جديدة أكثر تحررًا، ولهذا وجدت الحركة الرومانسية نفسها عرضة لانتقادات المحافظين الذين رأوا في تجديداتها الشكلية والمضمونية خروجًا عن التقاليد الشعرية الراسخة، بينما اعتبرها الحداثيون مجرد مرحلة انتقالية مهدت الطريق لتحولات أكثر عمقًا وجذرية في تاريخ الشعر العربي الحديث..
الهوامش
[1] انظر محمد الكتاني، الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث، ص: 247 وما بعدها بتصرف.
[2] انظر عبد السلام اسويحلي، بين يدي مقرر اللغة العربية، الطبعة الأولى، شركة مطبعة أبي، فاس، ص: 27 وما بعدها بتصرف.
[3] خالدة سعيد، حركية الإبداع، دار العودة، بيروت، لبنان، ص: 33.
[4] انظر محمد مصطفى هدارة، التجديد في شعر المهجر، دار الفكر العربي، مصر.
[5] انظر أحمد المعداوي المجاطي، ظاهرة الشعر الحديث، الطبعة الأولى، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، ص: 33.
[6] انظر الوارث الحسن، النص الأدبي في دروس الباكلوريا: دراسة وتحليل، مطبعة آنفو، ص: 17 وما بعدها.
[7] انظر أحمد المعداوي المجاطي، ظاهرة الشعر الحديث، المرجع نفسه، ص: 14 وما بعدها.






Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.