الديباجة:
الزجل هو فن عربي أصيل يعتمد على اللغة المحكية ، وهو امتداد للشعر العربي التراثي . ظهر بالأندلس ، وانتقل ليصبح موروثا شفهيا في العالم العربي . وغالبا ما يتحرر من قواعد الإعراب لكن يركز على الإيقاع واللحن والموسيقى ، كما أنه يرتبط بالغناء والإنشاد . بالإضافة أنه أداة للتواصل المجتمعي والثقافي يعكس هموم ومشاعر وعادات الشعوب بصدق وعفوية . أما فلسفته : هي ممارسة فنية حية تستثمر السحرية والتفكيك الرمزي لمناقشة القيم الاجتماعية ، والسياسية والوجودية ، فضلا عن كونه فضاء للتحاور .
وانطلاقا مما سبق نجد نساء زجالات كتبن في هذا الفن بشكل ملفت للنظر ومن بينهن الزجالة السعدية الميرون حيث نحتت ديوانا زجليا سمته (كَلْمَة ؤُلَمٌة .)
دلالة العنوان :
"كما يقال الدار تعرف من عتبتها والكتاب من عنوانه " لقد صيغ العنوان بالعامية ليشد المتلقي في حبائل التشويق . كما أنه مفتاح يختزل توجهات الشاعرة ورؤاها الإبداعية وتحليله يبدو بسيطا لكنه عميق الإيحاء ، يمكن إجمال القول على أن كَلِمَة كَلْمَة هي : اللفظ الموضوع لمعنى مفرد ، وهي عند أهل الحق ما يكنى به عن كل واحدة من الماهيات والأعيان بالكلمة ...
أما الكِلْمَة عند النحاة : هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع ، وتكون : اسم يدل على موصوف ، أو فعل يدل على حالة ، أو حدث أو حرف .
وتأتي في سياقات أخرى منها مثلا : نقول صاحب الكلمة : أي مصدر القرار
له الكلمة الأخيرة : له القول الفصل .
بالإضافة إلى : كلمة السر ....كلمة الشرف ... أعطى له الكلمة ... اجمعت كلمتهم ... الكلمات الأخيرة ... الكلمة العليا ... الكلمة المفتاح ... بكل معنى الكلمة ... كلمة مراوغة ... لا كلمة له ... مسموع الكلمة ... كلمة الافتتاح .. كلمة الختام ... الكلمات المتقاطعة ...
جوامع الكلم : ما يكون لفظه قليلا ومعناه جزيلاً ، كقول الرسول صلى الله عليه وسلم : حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات .والتوزيع أكثر يمكن الرجوع إلى المعجم للتبحر في المعنى بشكل دقيق .
أما مفردة لَمَّة تتعدد كلمة اللمة في اللغة بحسب السياق الذي تذكر فيه ، وأبرز معانيها :
الجماعة ، تطلق على العُصبة من الناس من( 3 إلى 10 أفراد) أو الرفاق والأصدقاء ومنها اللمة الإجتماعية كالتئام شمل الأهل وغالبا ما نبحث عن المعنى في سياق معين لتوضيح بشكل أكثر دقة ....
دلالة الغلاف :
الغلاف أنيق دال محفز على القراءة ييسر الفهم تم اختياره بعناية دقيقة ، صورته تنسجم مع العنوان وتلخص دلالات المضمون بعناية فائقة ، إذ تظهر مجموعة من الناس مجتمعة فيما بينها مثل الحالات التي اعتدنا عليها في المواسم والأفراح والفرجة واللمات ....
تيمة الديوان :
هناك ثمانية وثلاثون زجلية مزينة بحروف تفوح بعبق الإبداع النابع من أعماق شاعرة مقتدرة ومؤهلة لكتابة الزجل برؤية فنية حاضرة بقوة في ساحة مستنقع الحياة بكل وداعة ، لقد سرجت زمام المعنى بحرف دال قادر على ابتلاع المسافات ، مغردة في عرصات الخيال بصور جميلة مسافرة بالمتلقي إلى أبعد تخوم في رحلة منفردة حبلى بدلالات متنوعة قوية مثل الدلالات الاجتماعية والدلالات الثقافية المتنوعة والدلالات الدينية والدلالات الإنسانية والدلالات الحكمية ...فالتيمات المدرجة تعالج قضايا خاصة وعامة مستوحاة من صخب الحياة وضجيج اليومي المؤرق .... وأكثر من ذلك لقد حافظت على الطابع التراثي الذي هو نبض المجتمع وما جرى على مر الزمان . أليس الزجل فن تعبيري مسؤول؟ وبوح إنساني خصب، ؟عشق حد الهوس للهجة المغربية والمكتنز بالعمق الحضاري والزاخر بدرر لغوية متشبع بالموروث الثقافي الشفهي ...كل هذه العوامل ساعدت الزجالة السعدية الميرون على صقل نصوصها بأسلوب تصوري زئبقي يحرك لواعج الذات وكوامن النفس العاشقة للإبداع المتميز الذي يخلق نشوة المتابعة والقراءة العميقة ...لكون الزجالة راكمت تجربة تزيد على عدة سنوات ارتوت من خلال ذلك من غدير اللمات الزجلية المغربية بما ساعدها على تطوير وتحديث وارتقاء لغة الزجل الفاعلة ، القادرة على نشر صدى أعمالها بفن زجلي وازن .
البيئة الشعرية :
غالباً ما تساهم ظروف الازدياد والنشأة في تكوين معالم الشخصية كما تلعب البيئة في تكوين نفسية المبدع أو المبدعة ، وهكذا نجد الشاعرة السعدية الميرون تأثرت كثيراً بالظروف الإجتماعية وخاصة مدينة الدار البيضاء التي هي بمثابة نبض الثقافة المتنوعة إنها دويلة مندمجة في الدولة المغربية مما جعل الزجالة تعيش على إيقاع خصب الثقافة ، ساعدها على كسب واقع يتدفق بمشاعر وأحاسيس تعكس واقع الحالات المعاشة بشكل ملفت للنظر مما جعلها تكتب بإحساس يرتبط بالمناخ البيئي بشغاف القلب والفكر ...فلا غرو أن المبدعة تأثرت بطبيعة مدينة الدار البيضاء التي تحمل كل التناقضات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ...وطبيعة تركيبة الحياة والأسر والعادات السائدة والرؤى الفكرية والإيديولوحية ، فكل ذاك جعل الزجالة تكتب بحرقة الكتابة، مترجمة الوضع بجميع أشكاله وألوانه الاجتماعية والثقافية والدينية والانسانية ، كما هناك صرخات مكتومة تحمل صور مدهشة تجسد انفعالات نفسية تؤثر على الحياة الدنيا للإنسان ...فالمتعمق في نصوص الديوان بعمق قد تأخذه مضامينها في سفرعميق الشجن والأسى وما شابه ذلك . ذاك حتما ماجعل الزجالة تتغنى بقصائد تعكس الجانب البيئي والاجتماعي والثقافي بألوان دافئة وملونة حسب المناسبات ... إنها استراحة روحية ، وخلق فني ناغى الأعماق إلى أقصى منافي الجمال ، لا تكف تحمل دلالة الواقع المعيشي بصوت للأعماق...
نعم ديوان مليء بصور إبداعية حالمة استنطقت بتوهج نصوص زجلية عاكسة لأغوار الذات .
الخاتمة :
تعد الزجالة السعدية الميرون أحد أقطاب الفن الزجلي لكون زجلياتها المبصومة في ديوان "كَلْمة ؤُ ولَمٌَة" تشي بالقدرة الإبداعية على ترجمة رؤاها بحروف مخملية رشيقة الظل ساحرة الجرس قوية الأبعاد نابضة بالجمال الفني ،وهاجة قريبة للنفس،تتدفق باللذة الجمالية ..كل من يقرأ لها سيسقط في حبائل الإعجاب .


Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.