" همس أزرق "/ أمينة نزار
**********
على ضفافك ، يوشوشني
ذاك الهمس الأزرق
يهدهدني...
يعزف ببراعة محترف
على المقام والوتر ..
يقرضني بعض حلم
متعدد الزوايا والأبعاد
هلامي الملامح
فأتوه بين الصور .
أهو فتنة..
نسغ حياة..
أم سلافة روح..
سقت اليراع
حتى الثمالة
فانتشى وسكر..؟
مثل نورس حالم
يتماهى مع الزرقة
يتهادى منتشيا
بين ماء وسماء
مندفعا في هواه..
محلقا في سماه..
يستهويه السفر..
وأتساءل:
ربما التقينا ذات وهم
على ناصية الغواية
ولم نلتق..
أ هو عنادنا
أم كان القدر..؟
وذاك الكامن
بين الثنايا
تلك اللهفة العالقة
فوق الأهداب
أهي حنين أم عتب
أم حلم منتظر ؟
في غمرة ارتباكي
لم أعد أدري..
كبلتني الحروف
قيدتني المعاني
تهت من نفسي
فضيعت المبتدأ
و نسيت الخبر.
ذاك الهمس الأزرق
يهدهدني...
يعزف ببراعة محترف
على المقام والوتر ..
يقرضني بعض حلم
متعدد الزوايا والأبعاد
هلامي الملامح
فأتوه بين الصور .
أهو فتنة..
نسغ حياة..
أم سلافة روح..
سقت اليراع
حتى الثمالة
فانتشى وسكر..؟
مثل نورس حالم
يتماهى مع الزرقة
يتهادى منتشيا
بين ماء وسماء
مندفعا في هواه..
محلقا في سماه..
يستهويه السفر..
وأتساءل:
ربما التقينا ذات وهم
على ناصية الغواية
ولم نلتق..
أ هو عنادنا
أم كان القدر..؟
وذاك الكامن
بين الثنايا
تلك اللهفة العالقة
فوق الأهداب
أهي حنين أم عتب
أم حلم منتظر ؟
في غمرة ارتباكي
لم أعد أدري..
كبلتني الحروف
قيدتني المعاني
تهت من نفسي
فضيعت المبتدأ
و نسيت الخبر.
*****
أطلق النقاد العديد من التسميات على العنوان فهو : نص محيط /عتبة /
بهو / مُمَهِّد / نص صغير .. إلى غير ذلك من التسميات التي لها دلالات متقاربة .
والعنوان الذي بين أيدينا اليوم
وبصيغته النكرة وعلى الرغم من بساطة تركيبه ، يعتبر بذرة أولى يتناسل منها النص
، وبالتالي فهو كل هذه التسميات .
" همس " لفظ مهموس يخفي وراءه قلبا وحبا ووجعا .والهمس في
الشعر لا يعني إطلاقا خفوت الصوت بقدر ما
يعني / الشفافية / العمق / التدفق / والانسياب .وارتباط الهمس هنا باللون الأزرق ، هذا اللون الملازم للصفاء
، للسماء والماء على حد سواء يحيلنا على هذه الصفات التي الحقناها بالهمس الوارد
في العنوان .
يقول الشاعر نزار قباني : الموج الأزرق في عينيك ** يناديني نحو
الأعمق
" الهمس الأزرق " الذي اختارته شاعرتنا عنوانا لقصيدتها
قادر على اختراق النفس والنفاذ الى عمقها ، وهذه من مميزات اللون الأزرق .إنه همس
آسر عذب ، هادىء صارخ ، بجرس غير مرهق للأعصاب .
تستهل الشاعرة قصيدتها بجملة مركبة من شبه جملة ( على ضفافك ) وجملة
فعلية ( يوشوشني ) واختيار كلمة " يوشوشني " لم يكن اعتباطا بل هو انتقاء
ذكي لملازمة الوشوشة للهمس ،
وتأكيدا وتوكيدا له في السطر الثاني بعد
أداة إشارة للبعيد (ذاك ) تختاركلمة " يهدهدني " لنفس المغزى .
الحرفان المكرران في " يوشوشني " و " يهدهدني " يولدان إيقاعا داخل السطر الشعري يساهم في تمرير دلالات معينة للمتلقي .. فحضور الشين
والهاء حضور لصوتين رخوين مهموسين ، وليس
من المصادفة أن يوجد هذان الصوتان في
الدوال التي أحال عليها إيقاع الفقرة
الاولى رغم أن الشاعرة تعرف جيدا أن
القصيدة لا تكسب شعريتها فقط من بنيتها الإيقاعية وإنما تكسبها أيضا من اللغة في تفاعلها الحي .
هذا التفاعل لا يحدث مصادفة بل بناء على قدرات استثنائية للشاعرة أمينة نزار التي تعرف متى تبدأ اللغة
ومتى تنتهي الشعرية .
يتوالى النص ب :
يعزف ببراعة محترف
على المقام والوتر ..
على المقام والوتر ..
فنجد الصورة : مجازية تشخيصية
..فالهمس يعزف على مقام وعلى وتر وهو عازف محترف .وباقي الفقرة لا تخرج عن هذا
المعطى حيث يضيء الحاضر من خلال حلم
" مقترَض " أحد فصول
القصيدة في اختراق للزمان والمكان والصورة
(زوايا /
أبعاد / هلامي الملامح ) وفي مكونات جمالية بأنامل فنانة
رسمت لوحة تشكل واقع حياة سائرة نحو التيه :
يقرضني بعض حلم
متعدد الزوايا والأبعاد
هلامي الملامح
فأتوه بين الصور .
متعدد الزوايا والأبعاد
هلامي الملامح
فأتوه بين الصور .
ثم يأتي التساؤل في جملة
اسمية استفهامية بليغة التركيب ( أ هو فتنة ؟ )
حيث تدعنا الشاعرة نخمن ،
هل السؤال صيغ لمعرفة السبب
أم صيغ لحكمة .. وأظن أنه صيغ
لمعرفة السبب لأن الحكمة ظاهرة لا تحتاج
للسؤال عنها .
ويمتد بنا السؤال ــ الطويل ــ
في ستة أسطر تحاشت فيها
الشاعرة استعمال روابط الوصل بكثرة ، الشيء الذي زاد في البناء المحكم للقصيدة ومن المتعة الأدبية لسلطة الحروف متى
كان استعمالها باقتصاد داخل النص الأدبي
للموازنة بين الأداة و المحصول .
وكم هو متنوع ومختلف تأثير هذا " الهامس" على الشاعرة التي
صورته نورسا وحللت نفسيته وبعثت الشاعرية
في حركاته وسكناته :
مثل نورس حالم
يتماهى مع الزرقة
يتهادى منتشيا
بين ماء وسماء
مندفعا في هواه..
محلقا في سماه..
يستهويه السفر..
يتماهى مع الزرقة
يتهادى منتشيا
بين ماء وسماء
مندفعا في هواه..
محلقا في سماه..
يستهويه السفر..
وهنا يحق القول أن مجردَ وصفٍ لتأثيرٍ خاصٍّ
يُحدث الفن الكامل.. هكذا إذن شاعرتنا أمينة نزار .. لقد أحدثت هذا الفن
الكامل بميزة تتميز بها وهي : قوة الفكر
وحدة العاطفة وسمو الخيال ..هي تندفع بقوة إلى المثل العليا بصفاء نفس ورغبة في الخير للبشرية جمعاء .
بكثير من أسلوب الاستفهام في النص بطرق متنوعة / مباشرة / منفية /
ومثبتة في :
وأتساءل:
ربما التقينا ذات وهم
على ناصية الغواية
ولم نلتق..
أ هو عنادنا
أم كان القدر..؟
وذاك الكامن
بين الثنايا
تلك اللهفة العالقة
فوق الأهداب
أهي حنين أم عتب
أم حلم منتظر ؟
وكم هو جميل " اللعب " بالكلمات ومعانيها في هذا المقطع ..وما اروع ان تصل الشاعرة بكلامها إلى ما قاله الكاتب والشاعر الكبير " صلاح عبد الصبور " : "الشعراء أصوات شرعية وشرعيتها تشمل كل ألوان الحياة الانسانية بغية تنظيمها وتخليصها من فوضاها وتنافرها "
ربما التقينا ذات وهم
على ناصية الغواية
ولم نلتق..
أ هو عنادنا
أم كان القدر..؟
وذاك الكامن
بين الثنايا
تلك اللهفة العالقة
فوق الأهداب
أهي حنين أم عتب
أم حلم منتظر ؟
وكم هو جميل " اللعب " بالكلمات ومعانيها في هذا المقطع ..وما اروع ان تصل الشاعرة بكلامها إلى ما قاله الكاتب والشاعر الكبير " صلاح عبد الصبور " : "الشعراء أصوات شرعية وشرعيتها تشمل كل ألوان الحياة الانسانية بغية تنظيمها وتخليصها من فوضاها وتنافرها "
الفقرة غنية
جدا باستعمال اسلوب نداء مرتين (ذاك) و ( تلك) وأسلوب الاستفهام (أ) والعطف بنفس الحرف (أم ) مرتين ..هو الاسلوب
..هي اللغة هو السحر هو الشعر
المترادف في حياة الانسان " يعْبُر في الحياد الى التكثيف .
لم تسم الشاعرة الأشياء في هذه الفقرة ( ذاك الكامن بين الثنايا ) ولم تحسم في الجواب عن تساؤلاتها ..بل انتقلت بألفاظ مألوفة إلى مستوى الرمز أي جعلتها قادرة
على الخلق لأن الألفاظ عند الرمزيين لا تعبر عن الأفكار أو الصور التي وضعت لها
وإنما تدل الرموز على مشابهات مبهمة .. وللمتلقي تدبرها واستنباطها ، لأن الشاعر
إذا سمى كل أشيائه أفقد قصيدته ثلاثة
أرباع متعة قراءتها .
وفي " غمرة ارتباك " تستدعي الشاعر أمينة نزار الواقع
وما فوق الواقع وكل الأشياء التي تدعو في آخر المطاف إلى غاية
واحدة وهي خروج الانسان من قوقعاته
المتعددة بسبب القيود والتيه والضياع في الفقرة الأخيرة حيث أضاعت المبتدأ ونسيت الخبر .
في غمرة ارتباكي
لم أعد أدري..
كبلتني الحروف
قيدتني المعاني
تهت من نفسي
فضيعت المبتدأ
و نسيت الخبر.
لم أعد أدري..
كبلتني الحروف
قيدتني المعاني
تهت من نفسي
فضيعت المبتدأ
و نسيت الخبر.
" همس أزرق "
بدأ " بلهات " سرعان ما أصبح هذا اللهات اندفاعا وحركات
نبض وارتجاج يقذف من القلب في انتظام لأن أسطر النص تكاد تكون متكافئة في
ألفاظها .
" همس أزرق " نص
جاء فيه ما لم يكن منتظرا ، وهذه من
السمات الجميلة في كتابات الشاعرة المتألقة أمينة بحيث أنها تهتم كثيرا بالبناء الفني للقصيدة والقيمة الإيحائية للألفاظ و الأصوات ، فقد
لوحظ استعمال كلمات متقاربة جدا في مخارج
الحروف ، والأمثلة في النص كثيرة . وعلى سبيل المثال لا الحصر ( يتماهى /
يتهادى / كبلتني / قيدتني ...)
كما استعملت اسم الفاعل
بكثرة الشيء الذي أعطى
دينامية وحركية للنص ، علما أن هذه الصيغة تستعمل للزمان المستمر .
ومن التقنيات التي لجأت إليها الشاعرة أيضا تقنية تخص
الكتابة الروائية وهي (
الارتداد أو المونولوج الداخلي )
" همس أزرق "
قصيدة يحق لها أن تكون همسا أزرق صافيا كصفاء المحيط الأطلسي وأديم السماء في فصل
الصيف ..هو نص حقق الجمالية في نظامه الصرفي والنحوي والبلاغي في زمن تجلد فيه اللغة كل يوم مائة جلدة وأكثر . فهنيئا للشاعرة أمينة وهنيئا لنا بكتاباتها المميزة
والمتميزة على الدوام

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.