كغصن يابس يتقاذفه السّيل.. أضواء الشاحنة المهترئة باهتة، بالكاد أبصر المسالك و الطّرقات، جهاز اللاّسلكي المقيت لا يفارقني، أيّ سهو أو خطأ في منعطف قد يكلّفني الحياة.. في البداية لم أتقبل الأمر، لكن اكتشفت أنني كنت محظوظاً.. فُرضت الحرب و كان لزاماً أن أنخرط في قوات الدفاع المدني، فكرةُ الوفاء للأرض و أنها الشرف جعلتني متحمّسا للالتحاق بالجبهة. هناك و على الخطوط الأماميّة ترى الموت يمشي ببطء، تراه يركض، يجري مسرعا و تراه أيضاً مثل وميض البرق.. الموت هو حالة الانسان الاولى، هو الانتقال من رتبة مقاتل إلى رتبة مقتول.. لإكرامهم كنا نسميهم الشهداء.. يسقط الرجل أمامي، بطلقة أو قذيفة، تتطاير أشلاء مجموعة كاملة فيختلط اللحم بالتراب و الحصى و شظايا الحديد، تعبأ في أكياس و تأخذ أرقاماً تلحق بها أسماء من قضوا نحبهم بعد انفجار اللغم.. مهمّتي أن أنقل الجثث من الجبهات، شرف الجندي ألا ينام تحت عباءة العدو.. كنت أعبر الظلام، في الصندوق الخلفي رفاق لي و أصدقاء أحببتهم، أصدقاء أعرف قصص حياتهم، كثيراً ما تسامرنا، ضحكنا و نحن نفتخر بكل تقدم، في البداية كان الموت مصيبة، اعتدته شيئاً فشيئاً فأصبح بالنسبة لي أمراً حتمياً و عاديّا، لذلك أعلمت القيادة أنه بإمكاني السفر وحيدا رفقة رفات من استشهد لأودعه أهله.. كنت أراقب دموع الأمّهات المكلومات و الزوجات الثكالى، أسمع نشيج الابناء حشجرة صدور الفتيات، كانت الأعين تتسع و تحمرّ من البكاء و كان ذلك يشعرني بالبرد و الظمأ.. الدمّع ملح على الجرح، كنت لا أغادر أهل الشهيد قبل أن أسمع زغاريد النسوة، أنا محتاج إلى فرح الانتصار و الزغاريد عربون فرح نودّع بها الأحبة.. في ساعات الصباح الاولى، تتسلل الأشعة بين الفجوات لتمسح الغبار عن وجوه الجثث خلفي، الدم المتخثر على ثيابهم يرسم خرائط الوطن على مرّ التاريخ. اختار مكاناً يشرف على الأفق، أوقف محرك الشاحنة، و أنصت إلى فيروز تغني" جايبلي سلام عصفور الجناين".. و تمرّ بين أحضاني مواكب الموت، و أنا مسكون بحالة اشتياق قصوى، حالة تجعلني أنام بين حضن دافئ و همس رقيق آخر ما أسمعه " كم أحبّك.."

Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire
Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.