mardi 8 décembre 2020

قراءة نقدية في "يتامى الأبدية" للكاتب حسني حسن// أحمد البحيري // مصر


"يتامي الأبدية"
الذات والعالم
عن الهيئة العامة للكتاب صدر للكاتب حسني حسن مجموعة قصصية بعنوان يتامي الأبدية العام الماضي2019 . وبها 27 قصة مختلفة الأفكار والتناول
وفي 212 صفحة من القطع المتوسط. والكاتب من أهم كتاب جيل الثمانينات في مصر، وله مجموعة من الروايات والأعمال القصصية والكتب النقدية. ولعل أهم ما يميز كتابة حسني حسن:
1_ الاحتفاء باللغة حتى حدود التشظي. فالجملة لديه ممتدة عبر فواصل عدة دون أن تزعجه اشتقاقات لغوية أو يخونه المعنى. انظر مثلا لهذه الجملة من قصة حلم عقبة: ( رآها تشيح بعينيها، المكحولتين، بعيدا عن عينيه المعاتبتين، وتسحب سيجارة من علبتها الفرنسية الزرقاء، تشعلها بأصابع دقيقة مرتعشة، ثم تسحب نفسا عميقا، لتطلقه، من بعد، سحابات صغيرة فوق رأسيهما، في ذلك المقهي الهادئ، المؤثث بالظلال، بالأحلام المجهضة، وبالخيبات والانتظارات، بشارع علال بن عبد الله). وفضاء القصة المكاني مدينة الرباط المغربية. وهي أرضية مجموعة كبيرة من قصص المجموعة والتي كتبها وقت عمله مستشارا ثقافيا هناك.
2_ عمق التناول: فالتساؤلات التي تظهر على ألسنة شخوصه والتي هي أسئلته تميل إلى الطرح الفلسفي. وهو المشبع بقراءة اسبينوزا وهيجل ونيتشه وهيدجر وتولستوي وهيسه وكامو وغيرهم. ربما توضح قصة الشاعر منتحلا هذا العمق الذي نقول به. فالقصة تبدأ بأجواء كابوسية تذكر بأجواء كافكا. مسائلة شاعر لنفسه عن ماهية عمله وسر وجوده. كان في رحلة لمدينة مرسى مطروح ليخرج الشاعر العجوز من أجوائه الكابوسية بالسؤال التالي:( مالذي أتي بك، من آخر الدنيا، إلى هنا؟). وكأن هذا سؤال يدور في النفس ولا يصل الشفتين. فنرى حوارا بين الشاعر ونفسه. ليأتي الرد هكذا: ( أنت الذي تسأل؟! إنه أنت من خطفني من آخر الدنيا ليجئ بي إلي هنا!).
(_أنا؟ أنا؟! لا، بالتأكيد لست أنا!). ونستمر مع الشيخ النحيل...... (_ أردت أن أهجر كل شيء وأهاجر، مثلما هجرت أنت كل شيء، وهاجرت هجرتك). ثم يناقش هجرتين اثنتين واحدة في الزمان والأخرى في المكان. وفي كلتيهما أسئلة الفلسفة كلها. على اعتبار أن الفلسفة لا تعني غير كيفية السؤال. (_ أنا! أنا الظل! أنا لاشيء.). (_ ولكن حتى الظل شيء، قد يبدو وجودا سلبيا، إلا أنه يظل شيئا، فلا شيء يأتي من اللاشيء!). وهنا منتهى العمق في النظرة للذات والعالم معا. نظرة تقترب من التوجس والتشاؤم والتواضع حد جلد الذات. وهنا نتذكر كافكا من جديد وأبو العلاء المعري. وأيضا قول السيدة عائشة والحسن البصري ليتني ما كنت. وتأتي الحبيبة للشيخ النحيل بنهاية القصة لترده من عالم الغيب إلي عالم الشهادة. وتجيب على أسئلته جميعا بقولها:( _ هل تعرف؟ أنت لست صالحا إلا في مضغ الكلمات!). 3_ كيفية التناول أول القول: إن منهج الأسلوبية في النقد يقف علي خصائص أسلوب الكاتب وما يميزه. ويرى نظرتين لا ثالث لهما. ثمة كاتب يعرف كيف يقول ولا يهمه ما يقول، وآخر يعرف ما يقول ولا يعرف كيف يقول. وحسني حسن من النوع الأول. فنيته في القول عالية حتى مع القضايا الصغيرة. يعتني بالتفاصيل والموسيقي والأغاني والتماهي معها ومعارضة أقوال الغير التي يحبها. كأن الكتابة لديه تستبطن كل ما يدور بالعالم. وفي قصة سبل الهرب التي تحكي لقاء المهندس حاتم بالمهندسة نهال بعد ثلاثين عاما يستدعي ميلان كونديرا وروايته كتاب الضحك والنسيان. في هذه القصة معاودة لأشواق ذكرى قديمة كانت بين أصدقاء الجامعة. ولأن نهال تعمل تحت إدارته توجب لقاؤهما إجباريا كما توجب البحث عن سبل للهرب. وهنا يتماهى جو القصة مع رواية كونديرا المذكورة. ( وفي النهاية، يحدثنا ( كونديرا) بتهكمه اللاذع الأسود، وبمرارته الشفافة غير المحتملة، عن الرجال الذين ذهبوا، وعن صورهم التي تبقى). 4_الكتابة العابرة للجنس الأدبي :إن الكتابة الحديثة في أغلبها هكذا لا تقف عند حدود التجنيس. شعر، نثر، قصة،قصة قصيرة، نص قصصي، رواية. فالرواية مثلا بها كل ما عاداها. وقصيدة النثر نثرا مشعورا وهكذا. كان لإدوارد الخراط الذي يعشقه حسني حسن حتي أنه أعد كتابا نقديا عنه قد ساهم في ذلك من خلال كتابه الكتابة عبر النوعية. وفي قصة "يتامي الأبدية "التي عنون بها المجموعة نجد لغة شعرية بجوار اللغة المعيارية. ( لن تلقي روحك فيه سوى الفراغ والظلمة والبرد، ستسقط أوهام الأبدية، المعجونة بأوهام السكنى، وستذروها جميعاً ريح الهباء، عندها ربما ستفكر نادما في كل الأوقات الثمينة التي ضيعتها،
ممتنا بكل ما هو ليس ضروريا، من دون أن تحيا، من دون أن تعي أن مجدك، سعادتك، عظمتك الحقة، ليست هناك بعيدا جدا وإنما تحت قدميك). هذه قراءة مقتضبة والعمل يستحق قراءات. ومن حسن حظي أن هذا الكاتب الجميل صديقي من عقود واستمتعت بقراءة أغلب أعماله. وأبارك له روايته الجديدة التي طبعت من أيام ولم أرها بعد. كما أني كتبت عن روايته اسم آخر للظل بمجلة الشعب العربي قبل الألفين وأسعد دوما بالكتابة عن أعماله. فأرباب النقد الإبداعي لا يمكن لهم الكتابة عن عمل لم يحبوه. ومن اطلع على كل ما كتب حسني حسن أدرك أنه كل لا يتجزأ في كل ما يكتبه إبداعا وفكرا . تعرفه بخصائصه الأسلوبية بعد جملتين. وتعود من كل قراءة له بمعنى جديد.
بوركت أيها الفنان الساحر.




Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Remarque : Seul un membre de ce blog est autorisé à enregistrer un commentaire.